أخبار عاجلة
الرئيسية / في فكر الإمام / أبحاث الإمام / رسالتنا فكرية إنقلابية

رسالتنا فكرية إنقلابية

مجلة الأضواء النجفية

 

 كانت حياة الإنسان وما تزال ميداناً لألوان من الشرور منها ما يعذب الإنسان ويضنيه، ومنها ما يبهجه ويرضيه ولكنها جميعاً شرور تسمم حياته من حيث يشعر أو لا يشعر، وتقضي على بهائها وكمالها. ولا ريب في أن معرفة منشأ هذه الشرور وأسبابها خطوة عظيمة يخطوها المكافحون من أجل سعادة الإنسان وخلاصه فما هي مناشئ هذه الشرور وما أسبابها ؟
 

دعاة الإصلاح في العالم الغربي وفي المجتمعات المنفعلة به حضارياً يرون أن الفساد والإنحطاط والشرور التي يعاني منها الإنسان وتحفل به حياته إنما نشأت من المؤسسات الإجتماعية التي يمارس الإنسان حياته في أطرها، وعلينا- لكي نصلح حياة الإنسان ونهذبها- أن نصلح المؤسسات الإجتماعية، وحينئذٍ نحصل على إنسان متكامل سوي التكوين.

 

أما الإنسان فليس عاملاً من العوامل التي توجد الشر والفساد لأنه كامل ومستوف لشروط لجميع شروط الصلاح. وقد تمزّق العالم بين الدعوات المختلفة التي تعالج الواقع الإنساني بهذا الأسلوب. والذي يدلك على خطأ هذه الفكرة ومجافاتها للصواب ان الإنسانية لم تجن من وراء ما بشرت به هذه الدعوات شيئاً سوى الحروب والبغضاء المدمرة الأكول. وإن نظرة واحدة إلى واقع الإنسان المعاصر لشاهد بليغ الدلالة على ما نقول .

 

أما الإسلام وهو دعوة إنسانية عالمية شاملة لجميع مظاهر الحياة الإنسانية، تهدف إلى تهذيب هذه الحياة، والإرتفاع بها دوماً إلى درى جديدة من السموّ والنبل أما الإسلام فإنه لا يشجع على هذا الإتجاه في علاج الواقع الإنساني، ولا يؤمن بهذه الفكرة .

 

فإنه لا شك أن لفساد المؤسسات الإجتماعية دخلاً في الواقع الإنساني وانحطاطه، ولكنه لا يعدو أن يكون عاملاً ثانوياً، أما العامل الرئيسي فهو الإنسان نفسه، وذلك لأن المظاهر المدركة للحياة الإنسانية ليست من صنع كائن خارج عن الإنسان، وإنما هي من صنع الإنسان نفسه، فهو الذي يسبغ على حياته مظاهرها، ولذلك فهو يطبعها بطابعه الخيّر أو الشرير، ويفرغها في الصيغة الملائمة لمصالحه أو الموافقة لأهوائه.

 

وإذن فمن الضروري لإصلاح الحياة الإنسانية وتهذيبها أن يتناول الإصلاح الإنسان نفسه، وأن يعاد تكوينه من الداخل على نحو يجعله متجاوباً ومنسجماً مع فطرته، ومع أهدافه العليا، ومع واقعه، ومن الضروري أيضاً لإصلاح الحياة الإنسانية وتهذيبها أن يتناول الإصلاح المؤسسات الإجتماعية التي يمارس الإنسان حياته في أطرها، وان تطور المؤسسات نحو الأحسن والأفضل، نحو المستوى الذي يتيح للإنسان أقصى قدر مستطاع من السعادة في هذه الحياة الدنيا. وحين يتم هذا وذاك نضمن ألا ينحرف الإنسان بالمؤسسات الإجتماعية نحو الشر والفساد ونضمن ألا تسهم المؤسسات الإجتماعية في إفساد الإنسان وبعثه إلى صنع الشر وممارسته .

 

وذلك لأن الإنسان الخيّر سيعمل على جعل مؤسساته مرسومة دائماً بطابع الخير الذي يطبع سلوكه .

 

 هذه هي وجهة النظر التي تقوم عليها فكرة الإسلام في الإصلاح. أما أن نجعل المظاهر براقة ومثالية دون أن نبذل جهداً في إصلاح الإنسان فذلك جهد فاشل لأن الفساد حينئذٍ وان إختفى عن الأعين إلى حين الا أنه سيظل ينخر في أعماقنا وسيرغمنا على أن نفسد بأيدينا نحن هذه المؤسسات وأن نلوّث بأقذارنا نقاءها الظاهري .

 

وقد عالج الإسلام الواقع الإنساني على هذا الأساس فلم يعمل لإصلاح الإنسان دون أن يصلح المؤسسات الإجتماعية كما فعلت المسيحية والدعوات الصوفية ففشلت، ولم يعمل لإصلاح المؤسسات الإجتماعية دون أن يصلح الإنسان كما فعلت المذاهب والدعوات الحديثة ففشلت أيضاً وإنما أصلح الواقع والإنسان، فكانت المعجزة الكبرى التي لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل، ولن يكون لها مثيل إلا الإسلام.

 

وسيبقى المبدأ الإسلامي الخالد { إن الله لا يغيّر ما بقوم ٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم } الرعد 11، { ذلك بأن الله لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم } الأنفال 53 .

 

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول أن الفكرة في الرسالة الإسلامية فكرة إنقلابية ثورية لأنها تضع للإنسان قواعده الرئيسية التي تتبلور طبقاً لها شخصيته الروحية والفكرية من نظرة عامة نحو الحياة والكون ومقياس عملي أعلى في الحياة وطريقه عقلية عامة في التفكير ثم تقيم المجتمع على أساس تلك الأسس التيب كونت منها شخصية الإنسان الكاملة فالمسألة في نظر الإسلام هي صنع إنسانية بخصائصها الروحية والفكرية التي تتيح لها القيام بأعبائها ورسالتها في العالم وليست ترميماً أو إصلاحاً لجانب إجتماعي فقط .

 

هذا من ناحية الفكرة التي يتبناها الإسلام وأما من ناحية الطريقة التي يجب أن تنقذ الفكرة وفقاً لها فلم يضع لها خطوطها المحدودة وتفاصيلها الثابتة في كل الأحوال والظروف كما صنعت الماركسية حيث ادعت أن الإنقلاب الثوري هو الطريق الوحيد لتطبيق مفاهيمها .

 

فالإسلام من ناحية الطريقة لا يجد من الضروري أن يكون إنقلابياً ثوريّاً كما كان في فكرته وإنما يفسح المجال للإنقلابية الثورية في حدود الشروط الصارمة التي تفرضها عليه مثله وقيمه العليا ويسمح بإستعمال مختلف الأساليب والألوان التي تتفق مع تلك المثل والقيم .

 
 

وهكذا نعرف أن الإسلام إنقلابي ثوري في فكرته ومرن في طريقته التي يجب أن تحدد على ضوء الملابسات والظروف ومقتضيات الأحكام الشرعية العامّة في باب الجهاد وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباب التبليغ والتعليم وباب التقية وغيرها من الأبواب .

شاهد أيضاً

الحركية في الإسلام

نشرة أمل – 1981 م   الجهاد أحد مبادئ الإسلام الأساسية الكبرى التي يرتكز عليها ...

2 تعليقان

  1. اخي العزيز جراح

    شكرا جزيلا لك على هدا الموضوع.

    اظن ان هناك نقص ما في الفقره الرابعه:

    أما الإسلام وهو دعوة إنسانية عالمية شاملة لجميع مظاهر الحياة الإنسانية، تهدف إلى تهذيب هذه الحياة، والإرتفاع بها دوماً إلى درى جديدة من السموّ والنبل أما الإسلام فإنه لا
    يشجع على هذا الإتجاه في علاج الواقع الإنساني، ولا يؤمن بهذه الفكرة .

    نرجو التصحيح و شكرا مجددا.

  2. سوف يتم التعديل قريبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *