أخبار عاجلة
الرئيسية / سيرة الإمام شمس الدين / ذكرى رحيل الإمام شمس الدين / شمس الدين… خادم الناس دينا ودنيا

شمس الدين… خادم الناس دينا ودنيا

بيروت: طارق ترشيشي
لم يكن الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي ودعه لبنان والعالم العربي والاسلامي امس الى مثواه الاخير خائفاً من الموت عندما فاتحه اطباؤه بأمر الداء العضال الذي ألم به قبل بضعة اشهر، لأنه كعالم جليل وطّن نفسه على الشهادة في سبيل الله قولاً وعملاً، فكراً وممارسة، طامحاً لمرضاة ربّه والفوز بالجنة.

ويوم كان عاكفاً على تأليف كتابه «حركة التاريخ عند الإمام علي» قبل بضع سنوات ردد على مسمعي انه بهذا المؤلف الذي كان الرقم 22 من مؤلفاته الاربعين في مختلف صنوف الفكر والفقه الاسلامي، يأمل ان يفوز بالجنة، لأنه كان يعتبر ان جهاد الفكر، هو بمرتبة الجهاد في سبيل اعلاء كلمة الحق ورفع الظلم والفوز بالحرية. ولذلك كانت له دائماً علاقة مميزة بالصحافة والاعلام.

عرفت الشيخ شمس الدين في مطلع الثمانينات وكانت اياماً عجافاً. الضاحية الجنوبية لبيروت كانت خارجة من اتون النار التي احرقتها يومذاك على يد جيش السلطة التي كانت قائمة آنذاك، وعلى ضوء الشموع في تلك الليالي الحزينة جلس «الشيخ» يتحدث إليّ والى بعض الزملاء عن انطباعاته عما شاهده من تخريب ودمار وحرائق خلال جولة له في المنطقة ولخصها بقوله: «أي جبانة تبدو اكثر أنساً من الضاحية». ولم يتمالك نفسه فأجهش باكياً متحسراً على ما حلّ بلبنان بكل طوائفه ومناطقه ومتخوفاً من آت «قد يكون أعظم».

لقد جمع شمس الدين في شخصه الانسان ورجل العلم والتقوى والسياسي الفذ. وكان علماً من اعلام الوحدة الوطنية اللبنانية لا يعرف التعصب طريقاً اليه. تعاطى مع اللبنانيين دائماً على انهم ابناؤه ايّا تكن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والسياسية. واللبنانيون نظروا اليه دائماً نظرة احترام وتقدير فهو العادل والمعتدل دائماً. ولم يلطخ يديه في اي دم. ولم يستسغ في لبنان اي حرب إلاّ جهاد المقاومة ضد اسرائيل للدفاع عن الارض والعرض. ولذلك كان اول من اطلق المقاومة ضد اسرائيل بعد موسى الصدر، مؤسس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وقائد «حركة المحرومين» التي جمعت حوله في السبعينات كل من يشعر بالحرمان من كل الطوائف والمذاهب ثم اعلن «ان السلاح زينة الرجال» لمواجهة الاجتياح الاسرائيلي الاول للبنان عام 1978.

حمل شمس الدين الراية بعد غياب الصدر فأطلق المقاومة المدنية الشاملة ضد اسرائيل إثر الاجتياح الاسرائيلي الثاني عام 1982. وكان اول شهداء هذه المقاومة تلميذه الشيخ راغب حرب. وعندما عصفت الفتن بلبنان وراحت تنهش به لم يهدأ له بال فبذل الكثير من الجهد لانهائها. وكم تألم من التجاوزات التي ارتكبتها الميليشيات هنا وهناك ضد الناس الذين حرص دائماً على وجوب تحييد حياتهم ولقمة عيشهم عن الصراعات.

وطوال سني المحبة وبعدها وحتى الرمق الاخير من حياته ظل خطابه السياسي خطاباً وحدوياً خالياً من اي فئوية او تعصب، فهو العالم بطبيعة الفسيفساء المعقدة التي يتكون منها المجتمع اللبناني الطائفي والسياسي. وعندما طرح «مشروع الديمقراطية العددية القائمة على مبدأ الشورى» في اواسط الثمانينات فهمه الكثيرون خطأ. وصورّوه على انه صاحب مشروع يرمي الى اقامة حكم اكثري شيعي في لبنان، في حين انه كان يقصد بالاكثرية العددية الاكثرية اللبنانية من كل الطوائف التي تجمع على موقف او رأي او تصور محدد، وذلك في مواجهة ما طرح يومذاك من مشاريع تستهدف تقسيم لبنان الى كانتونات ودويلات طائفية ومذهبية.

واكثر ما كان يؤلم الشيخ شمس الدين ويؤرقه ما كان يرتكب في حق الناس من ظلم يطاول حياتهم او لقمة عيشهم. وكل من يدخل الى مجلسه او يتصل به كان يسمع منه دائماً دعوة «الله يبارك فيك» و«في امان الله». لم يكن يخشى في الحق لومة لائم. وعندما كان يغضب يشعر كل من حوله ان خطأ حقيقياً ما قد وقع في حقه او في حق الناس لأنه نادراً ما كان يغضب الا لسبب وجيه.

كان داعية دائم الى العيش الواحد بين اللبنانيين، مقتنعاً بأن هذا الوطن الصغير وصاحب الدور الكبير لا يمكن ان يحكم بغالب ومغلوب وانما بالوفاق والوحدة والالتفاف حول مشروع الدولة الذي يحفظ الجميع ويشركهم في تحمل المسؤولية الوطنية. وانفتاحه واجتهاده في الدين قابله انفتاح في تعاطيه السياسة والشأن العام. ولم يسجل في اي يوم صدور اي بيان او تصريح يرد على اطروحة سياسية له. وعندما كان يدخل اليه من يتحدث بلغة طائفية او مذهبية كان يرده على أعقابه ان لم يقتنع بطرحه الوطني. جريئاً كان الشيخ شمس الدين وصريحاً لا يعرف «المداراة الهلوعة التي تمسح جبين الرجس بالعطور». لا يتنازل عن ثوابته الا اذا اقتنع بثوابت اخرى تكملها او تعززها. لا يخاصم إلا من خاصمه. واذا شعر انه قسا او اخطأ في حق اي شخص لا يهدأ له بال حتى يعتذر منه، لانه كان يختزن في صدره قلب طفل. وكم كان يشعر بالاسف عندما يعلم متأخراً بمصاب اصاب اياً من عارفيه او اصدقائه ولم يتسن له القيام بواجب المواساة حياله.

لم يقبل الشيخ شمس الدين يوماً ان يكون للشيعة في لبنان وفي اي دولة من دول العالم العربي والاسلامي مشروعا خاصا. وكانت دعوته الدائمة اليهم ان يندمجوا في مجتمعاتهم ويلتزموا انظمة دولهم وقوانينها. حارب دائماً وجاهد ضد كل من حاول ان يلصق صفة الارهاب بالشيعة خصوصاً وبالمسلمين عموماً، مميزاً بين الارهاب كارهاب والجهاد والكفاح من اجل التحرير ونيل الحقوق.

شاهد أيضاً

with-sign

وقفات مع الإمام شمس الدين – للشيخ فيصل مولوي

الشيخ فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان لم تكن وفاة الإمام الراحل الشيخ ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *