أخبار عاجلة
الرئيسية / سيرة الإمام شمس الدين / ذكرى رحيل الإمام شمس الدين / وقفات مع الإمام شمس الدين – للشيخ فيصل مولوي

وقفات مع الإمام شمس الدين – للشيخ فيصل مولوي

الشيخ فيصل مولوي
الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

لم تكن وفاة الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مساء الأربعاء في العاشر من كانون الثاني 2001 مفاجأة بعد أن أنهكه المرض لشهور طويلة، قضى منها فترة علاج شبه ميئوس منه في باريس، لكنّ الوفاة رغم ذلك أحدثت صدمة في الوسط الفكري والسياسي والديني الذي كان للإمام الراحل فيه دور كبير تجاوز مورثات التراث التقليدي ومقتضيات التغريب العصري؛ ليضع لأمّته معالم الإنقاذ على طريق طويل رسمه روّاد الانبعاث الإسلامي قبله، وسار فيه الإمام خطوات واسعة بهمّة عالية، ونشاط لا يهدأ، وقدرة كبيرة على التجديد والاجتهاد، استطاع فيها أن يجمع بين أصول الفكر الشيعي ومتطلّبات نهوض الأمّة، وصاغ نظرية شبه متكاملة يمكن أن تؤسس لمجتمع جديد ينطلق من ثوابت الإسلام، ويستفيد من إنجازات المجتمعات البشرية الأخرى.

 

ولاية الأمّة على نفسها

فلقد كان السائد في الفكر الشيعي أنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، وأنّه بعد غياب الإمام الثاني عشر من الأئمّة المنصوص عليهم – وفق النظرة الشيعية – ليس أمام الشيعة إلاّ الانتظار حتّى عودة الإمام الغائب، ولمّا طالت فترة الانتظار ظهر الإمام الخميني -رحمه الله- بفكرة (ولاية الفقيه) على الأمّة في عصر الغيبة، وهي فكرة كان قد طرحها بعض العلماء الشيعة، ولكنّها لم تتبلور بشكل كامل مؤصّل إلاّ عند الإمام الخميني، الذي استطاع بهذه الفكرة أن يفجّر ثورة شعبية ضدّ أعتى نظام إمبراطوري في العصر الحديث، وأن يقيم بالتالي دولة إسلامية شيعية، كانت ولا تزال محاولة جادّة للتوفيق بين أصول الفكر الشيعي الذي يتوقّف في مسألة الإمامة على النصّ، وبين واقع الأمّة المتحرّك الذي يحتاج إلى اجتهاد دائم لضمان استمرارية التطوّر والتجديد مع عدم الخروج على الأصول الإسلامية العامّة.

إلاّ أنّ الإمام الراحل الشيخ شمس الدين تجاوز فكرة (ولاية الفقيه) وطرح فكرة (ولاية الأمّة على نفسها) وهما فكرتان متكاملتان من حيث الأساس فـ (ولاية الفقيه) لا تعني أيّ فقيه، وإنّما تحصر الأمر بالفقيه الذي تقبله الأمّة كما ينصّ على ذلك الدستور الإيراني، و(ولاية الأمّة على نفسها) لا تعني عدم جواز أن تختار الأمّة فقيهاً لقيادتها، لكن الجديد والمهمّ في فكرة الإمام شمس الدين هو تكريس حقّ الأمّة في اختيار من تشاء لولاية أمورها حتّى ولو لم يكن فقيهاً، وهذا يؤسس لفكرة تداول السلطة المعروفة في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة التي تلقى رواجاً كبيراً لدى تيّارات الصحوة الإسلامية المعاصرة باعتبارها السبيل المتاح لتحويل الصراع على السلطة، وهو مسألة طبيعية في تاريخ المجتمعات البشرية، من الاقتتال والثورات والانقلابات إلى ساحة التنافس السلمي.

دور المسلمين في العالم المعاصر

وأمام الكثير من الأفكار المتشنّجة التي تنتشر في بعض الأوساط الإسلامية، يعود الإمام شمس الدين بالمسلمين إلى جذور المسألة، فهو يرى أنّ دور المسلمين اليوم هو (التواصل مع العالم، وإثراء الحضارة الإنسانية، والانخراط في نظام عالمي جديد) وأنّ منهج المسلمين لتحقيق ذلك هو (الحوار والتفاهم مع الغرب وليس الصدام)، وأنّ ذلك كلّه مبني على الأصل وهو أنّ (الإسلام دين أمن وسلام وتفاهم لخير البشرية) ولذلك فهو يؤكّد أنّ الله تعالى (لم يشرع القتال من أجل الدعوة إلى الإسلام) وأنّ كلّ ما ورد في موضوع القتال (يدور حول الوضع الدفاعي وليس الوضع الهجومي أو الابتدائي) وبناءً على ذلك يرى الإمام شمس الدين خطأ نظرية تقسيم العالم إلى دارين فقط: دار إسلام، ودار حرب. ويلفت النظر إلى وجود عالم المعاهدين، أو ما يسمّيه العلماء (دار عهد) وهو يشمل الدول الصديقة في الاصطلاح السياسي المعاصر.

ورغم أنّ هذه النظرة إلى علاقة المسلمين مع العالم الآخر قال بها كثير من المحقّقين القدماء وأكثر العلماء المعاصرين؛ فإنّني أجد من الواجب أن أردّ على ما يُثار حولها من شبهات خاصّة بالنسبة لبعض النصوص الواردة في القرآن الكريم أو السنّة الصحيحة، والتي يفهم من ظاهرها ما يخالف ذلك فأقول:

إنّ النصوص الواردة في شأن القتال في الإسلام على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: نصوص تصرّح بالسبب الذي من أجله فرض القتال، وهذه لا تخرج عن سببين:

الأول: الدفاع عن المسلمين {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا…}

الثاني: منع الفتنة {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة …}

ومنع الفتنة هو دفاع عن حرّية الإنسان وحقّه في اختيار الدين الذي يريده. وهذه نظرة متقدّمة جدًّا فرض الإسلام بموجبها على المسلمين أن يقاتلوا دفاعاً عن حقّ أساسي من حقوق الإنسان، فالقتال يظلّ دفاعياً سواء كان يدافع عن حقوق المسلمين أو عن حقوق غيرهم.

النوع الثاني: نصوص خاصّة بالمشركين من العرب، وهي تشمل على وجه الخصوص الآيات الواردة في أول سورة التوبة، والتي تفرض عدم تجديد العقود المحدّدة مدّتها معهم، وإنهاء العقود غير محدّدة المدّة بعد أربعة أشهر، وإخراج المشركين بعد ذلك من الجزيرة العربية أو قتلهم. وقد اتفق جمهور العلماء على أنّ هذا الموقف محصور بمشركي العرب، ولا يقاس عليه، وقد انتهى هذا الأمر تاريخياً وواقعيًّا، هذا الموقف حكم استثنائي لقوم معيّنين لزمن معيّن، ولا يعبّر عن نظرة الإسلام للتعامل مع غير المسلمين.

النوع الثالث: نصوص عامّة، لم تذكر سبب القتال، فيجب جمعها مع نصوص النوع الأول، خاصّة أنّنا لو دقّقنا في أسباب النزول لوجدناها تؤكّد أنّ القتال لم يكن إلاّ دفاعاً عن المسلمين أو لمنع الفتنة، مثال ذلك قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.

فليس سبب القتال هنا أنّهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يدينون دين الحقّ وأنّهم من أهل الكتاب؛ لأنّ الكفر ليس سبباً للقتال برأي جمهور الفقهاء والمحقّقين، وإنّما تكون المحاربة سبباً للقتال إذا اجتمعت مع الكفر، لكنّ الآية هنا تصف هؤلاء بأوصافهم من وجهة النظر الإسلامية، ويبقى السبب هو ما أشارت إليه آيات الدفاع ومنع الفتنة، خاصّة وأنّ سبب نزول هذه الآيات اعتداء الروم على رسول رسول الله وقتله، واستعدادهم لغزو المسلمين، ممّا اقتضى الردّ عليهم بغزوة تبوك كما هو معروف في كتب السيرة، فالهجوم ضدّ عدوّ يستعدّ لحربك يُعتبر من وسائل الدفاع كما هو معروف.

ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب

ونعود بعد هذا الاستطراد للراحل الكريم الإمام محمد مهدي شمس الدين وهو يرى بعض تيّارات الحركة الإسلامية في العقدين الأخيرين يغرق في استعمال كلّ وسائل العنف ضدّ مجتمعه كما حصل في مصر والجزائر فيعلن بكلّ وضوح (أنّ العنف ممنوع كوسيلة للتعبير عن المعارضة السياسية) داخل ساحات المجتمع، وأنّ العنف المشروع هو (المقاومة ضدّ العدوان الصهيوني كما يحدث في فلسطين ولبنان) ويعتبر أنّ (العنف هو المأزق الأساسي الذي أدخلت الحركة الإسلامية نفسها فيه في بعض المواقع…)

ومن أجل إيجاد حلّ شرعي منطقي يسمح بعدم استعمال العنف ضدّ الأنظمة، رغم ما تقع فيه من تفريط بحقّ شعوبها وبالقضايا الوطنية الكبيرة، وابتدع الإمام شمس الدين نظرية (ضرورات الأنظمة وخيارات الأمّة)، وهو بذلك يهدف إلى إنهاء الصراع الذي شمل أكثر بقاع العالم العربي والإسلامي بين الشعوب وحكّامها، والذي أنهك الأمّة واستنزف طاقاتها، ومكّن للأعداء في التسلّط عليها. ومن أجل ذلك فهو يطالب الأنظمة – وهي تمارس ما تعتبره ضرورة لها – أن لا تصادر خيارات الأمّة، وأن لا تقمع الأصوات المعارضة (فالمفاوضات تجري، والمقاومة تواصل مهمّاتها. المفاوضات تجري ونحن نعلن عدم التزامنا بنتائجها إلاّ بمقدار ما تؤدّي إلى تعليق حالة الحرب، أمّا موضوع التطبيع والسلام فهو متروك للأجيال المقبلة).

رحم الله فقيدنا الكبير.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

شاهد أيضاً

mafhom-al-wa7da

مفهوم الوحدة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين

محمد محفوظ – مجلة الكلمة العدد   3004 – 01|2003  في ظل التطورات والتحديات الراهنة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *