أخبار عاجلة
الرئيسية / سيرة الإمام شمس الدين / ذكرى رحيل الإمام شمس الدين / في ذكرى الإمام شمس الدين: الإخلاص للوطن أساس فقه المقاومة – الوزير عمر مسقاوي

في ذكرى الإمام شمس الدين: الإخلاص للوطن أساس فقه المقاومة – الوزير عمر مسقاوي

عمر مسقاوي / نائب ووزير سابق-صحيفة السفير 11/01/2008

 

في ذكرى الإمام محمد مهدي شمس الدين رحمه الله، أود أن أنشر لأول مرة الكلمة التي كان لي بها شرف المساهمة في مناقشة كتابه «المقاومة في الخطاب الفقهي السياسي» في الندوة التي نظمها المكتب الإعلامي في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في دار نقابة الصحافة اللبنانية في 16/4/1998 لما لها من دلالة في مرحلتنا الحاضرة، أرسلها كما طبعت في مكتبي في وزارة النقل.
حينما نرافق سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه «المقاومة في الخطاب الفقهي السياسي» نجتاز سني السبعينيات والثمانينيات الى نهاية القرن، ونحن نعيش مع المقاومة في الجنوب، نعيش القضية في بعدها الفكري والسياسي معاً.
فالكتاب يحدّثنا عن فقه المقاومة. واذا استنبأت مضامين هذا التعبير في تراثنا الإسلامي، فذلك يعني أن الأحداث التي وقفت عندها كلمة الإمام خلال هذه الحقبة من التاريخ ذات بُعد يرشدنا الى عمق المشكلة لا الى ظاهرها.
فالفقه هو ما تجاوز ظاهر النص الى مراميه ثم ما تعلق بفعالية حله للمشكلات المستجدة، أو كما يعبّر الأصوليون في التراث الإسلامي حينما يقولون «والفقه علم كل حكم شرعي جاء اجتهادا دون حكم قطعي».
فقطعية «الحدث» الذي وقفت عنده كلمة الإمام خلال هذه العقود الثلاثة أمر لا يضيف شيئا اذا ما اقتصرت عليه الكلمة. فذلك ما يتبادر الى ذهن المعلق لأول وهلة، فيبادره باستنكار تمليه نتائج المأساة على الأرض.
لكن أن تتجاوز الكلمة بُعد الحدث الى أبعاد الاعتداء الذي خطط له العدو الإسرائيلي والعالم المتضامن مع اسرائيل، فذلك ما يمنح الكلمة أفقها الواعي ويرشّد المقاومة في طريق الفعالية، وذلك ما نحتاج اليه دائما، حتى لا يضيع الفعل في فورة الانفعال.
كأني بالإمام شمس الدين يمنحنا في هذا الكتاب منهج المبادرة وعمق أهدافها في كل ما تخطط له المقاومة.
فالحرب دائما في أساسها كما جاء في الأثر «خدعة»، وهذا يعني قوة التخطيط، وهي من ناحية أخرى ترتكز بصورة أساسية على متانة البنية الاجتماعية التي تقف وراء المقاومة، حتى لا تضيع الجهود في مسار الإرباك. ولذا فلكل أمر من أمور الحرب مرجع يستبطن الخلفية والمنهج، ألم يقل القرآن الكريم:
«وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم»؟
وما هذا الاستبطان سوى ذلك الفقه الذي لا يقف عند ظاهر القول!
ونحن نرى ملامح هذا المفهوم العميق لدور الفقه في إدراك الأمور، ما ورد في الأثر ان الرسول (ص) قال يوما «يوشك أن يرفع العلم»، فقال زياد بن لبيد: «يا رسول الله وكيف يرفع العلم، وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا» فقال: «ثكلتك أمك يا ابن لبيد، ان كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حينما تركوا أمر الله».
فالتراث يمنح مفهوم الفقه دوراً في تحريك فعالية العلم ليصبح قيمة اجتماعية بعد أن كان قيمة معرفية. ومن هنا نتطلع الى أهمية هذا الكتاب.
ومن هنا فنحن في التسلسل الزمني للأحاديث والكلمات والخطب التي تضمنتها صفحات كتاب «المقاومة في الخطاب الفقهي السياسي» نؤرخ لأحقاب العقود الثلاثة من منظور يتجاوز أبعاد الحدث الى بناء نظرة تقيل عثرات المبادرة في فعل المقاومة.
فالعدوان الإسرائيلي يبدو لنا من خلال تاريخ الأحداث هو التعبير عن امتداد العالم الغربي نحو شاطئنا الإسلامي العربي منذ بداية القرن.
منذ الصفحات الأولى، يشير الكتاب الى مخاطر هذا الامتداد في مفهومه الاحتوائي حينما يلفت النظر الى خطط السياسة الأميركية التي هي في رسالتها جزء مكمل لتاريخ العالم الغربي في فلسفته وعقيدته ونظامه، ولذلك فهي تقف على النقيض الآخر من تاريخ العالم الشرقي في فلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، كما يقول يوجين ووستو.
وهو حينما يضعنا في هذه الافتتاحية من الكتاب، انما يطرح أفقا بعيدا في تقويم الاعتداء الإسرائيلي وفي المبادرة الى مقاومته، ومن هنا فهو يمنح فكر المقاومة مدلوله الاجتماعي والنفسي معا، «فالعمل الفدائي ـ كما يقول ـ يقدم الآن (وهو في مرحلة الثمانينيات) خدمات لا تقدر بثمن الى القضية الفلسطينية. فهو بالإضافة الى كونه يحقق أهدافا عسكرية، فإنه يحقق أهدافا نفسية أيضا، لأنه يجعل القضية الفلسطينية حية باستمرار في الذهن العربي والعالمي».
هذه النظرة الاجتماعية والتراثية في آن معا تضع العمل الفدائي في مستوى القيمة الثقافية لتراثنا الاجتماعي، والذي هو الضمان لاستمرارية جذوة القضية في الحدث العالمي.
وتحضرني في هذه المناسبة ملاحظة عبّر عنها المفكر الجزائري مالك بن نبي في مجال الحديث عن الفرق بين المؤثرات النفسية التي تفضي بها تعابير الحضارة الغربية والتي هي نتيجة التدافع الطبقــي في إطار العولمة الاقتصادية والتعبير التراثي المجلل بقيمته التاريخية كرسالة إلهية تتصل بقيمة الإنسان.
فحينما كان الجزائريون قبل الثورة يتمثلون الحركات النضالية العالمية القادمة من العالم الغربي، ويطلقون على أنفسهم كلمة «مناضل»، كانت الكلمة تعطي عامل اختزال نفسيا في ذهن المناضل، باعتباره يتمثل نموذجا من الحضارة الغربية المسيطرة علــى واقعه الاجتمــاعي والتي هي في عمقه عنصر نظام فوقي متعال على واقعه.
لذا كان ذلك لا يبعث على الاهتمام الكبير في إجراءات الإدارة الفرنسية في الجزائر آنذاك، ولكن حينما أطلق الجزائري على نفسه كلمة «المجاهد»، فقد أثار في الجانب النفسي شعورا متفوقا حينما استحضر العهد الأول لتراثه الإسلامي ذي الرسالة الثقافية والتي هي النقيض للحالة الأوروبية. لذا فقد استحضر مواجهة من الإدارة الفرنسية حينما استبد بها القلق من نهضة تواجه الحالة الأوروبية في الجزائر.
ولذلك نرى الإمام شمس الدين يركز في الحديث عن فقه المقاومة في نهاية عام 1979 حينما يقول «ان روح بدر هي ضمان الانتصار، لأنها تغير معادلات القوة المادية لمصلحة النوعية الإنسانية»، ثم انه في ذكرى كربلاء يخرج من الحدث الى مدلولاته الفقهية حين يمنحه منطق القيمة الفاعلة في كل زمن وفي كل حين. فالحسين لم يخرج بطرا ولا أشرا ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما هو خرج من أجل العدالة والدفاع عن القيم. ولذا فالمقاومة تكتب سطورها البطولية بمداد من دموع كربلاء.
فالعجز واللامبالاة (كما يقول في بداية الثمانينيات) هما الضمان لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي والانهزام أمامه، ولذا فإن على الدولة أن ترسل الجيش ليقر الأمن في الجنوب، وعلينا أن لا ننتهج الأسلوب العربي الذي أضاع فلسطين، ذلك الأسلوب الذي أوضع للنفوذ العدواني الإسرائيلي الغربي أوضع له مكانا في ساحة السياسة التي افتقدت فقه الحدث وبُعد النظرة.
فالقضية تتطلب دائما (في كلماته عام 1981) استراتيجية عامة شاملة في مواجهة الخطة للجنوب، لأن لبنان يولد من الجنوب، وبقدر ما يكون هنالك جهاد وكفاح مشترك ودم يراق من أجل الوطن، حينئذ سنحطم دولة الامتيازات والطوائف. ولا يكون ذلك إلا اذا تساوينا في وعي الخطر الاسرائيلي (كما يقول في احدى كلماته عام 1983)، فالتساوي في وعي الخطر يرفع حرارة المسؤولية في روح المقاومة حتى لا تكون امتيازا شيعيا أو فئويا، بل لا بد أن تكون تعبيرا عن معنى وجودنا في هذا الوطن.
فالمقاومة بطبيعتها لا عنوان لها فعنوانها هو في ضمير كل مواطن مقاتلا أو صامدا في الجنوب أو متضامنا في كل بقعة من الوطن.
فالتعاون على قاعدة الإخلاص للوطن هو أساس فقه المقاومة، ولذا فالمقاومة عنوانها الوطن كله وهي تأكيد لوحدة الموقف الوطني، فإسرائيل باعتبارها امتدادا كاسحا لتراثنا الاجتماعي لا يمكن لها ان تستمر في حضن الوعي الوطني، لذا لن نسمح لإسرائيل بأن تنتصر في الجنوب، كما أننا لن نسمح للبنان كله أن يستقر ما دامت اسرائيل في الجنوب.
ولم يكن هذا المبدأ سوى إرشاد لسائر اللبنانيين بأن الاستقرار والاحتلال أمران متناقضان في منطق الوطنية والانتماء للوطن.
ذلك فقه يتجاوز المبادرة التي تنظمها الأحزاب والقيادات، انه يضيف اليها مفهوم الرسالة التي تخفض جناح الحضور السياسي الخاص بكل تنظيم، تخفضه لصالح العمل الوطني المشترك.
فإسرائيل اذا ما استقرت في الجنوب (كما يشير في احدى محاوراته عام 1984) فهدفها هو إحداث فتن طائفية بين المسلميــن والمسيــحيين وبيــن الشيعة والسنة لإيجاد حواجز في ما بينها تبدد وحدة الوطن.
وهي فوق ذلك تستدرج المبادرات التنافسية في الإعلان عن مسؤولية أي واقعة من الأعمال الفدائية تروج في سوق الحضور السياسي.
وهكذا نسير مع سماحة الإمام عند كل حدث يمنح المقاومة فقه المبادرة. كي يتناغم الجميع في نسق النشيد وصمت الأنا.
وإذ نحتفل اليوم وفي هذا التاريخ بذكرى مجزرة قانا لكي تبقى في قلوبنا جذوة غضب وتصميم، فإن سماحة الإمام أمام هول الكارثة لا ينسى أن يضع المقاومة في إطارها الوطني، كيما يمنح المبادرة فقه الفعالية. وهكذا فإنه يتحدث في مؤتمره الصحافي أثناء عدوان نيسان 96 عن الأبعاد الثلاثة للمقاومة:
ـ فالبعد الأول هو موقف الممانعة السياسية والمقاومة السياسية، ويرى أن شرطها الأساسي أن ترتكز على وحدة وطنية راسخة في الرؤية السياسية المبدئية لقضية الاحتلال. لأن اندماج المقاومة في مشروع الوحدة الوطنية وبناء الدولة الواحدة هو الضمانة لإخراجها من احتمال وقوعها ضحية ميزان القوى المتحرك في المنطقة.
ـ والبعد الثاني هو صمود الأهالي، الناس البسطاء والشرفاء في أماكن عملهم وبيوتهم وقراهم، من أجل إفشال المشروع العدواني لإسرائيل ضد لبنان وحرمانه من جني الثمرات السياسية لاحتلاله.
ـ أما البعد الثالث فهو العمل المسلح الذي هو عنصر أساسي في اكتمال حركة المقاومة وفعاليتها. لكن هذا البعد لا بد أن يكون في حضن الموقف السياسي والصمود الشعبي، فالمقاومة هي وسيلة سياسية للضغط على العدو لإيذائه وإنزال الخسائر فيه. وحين تفقد المقاومة قدرتها على الإيذاء تفقد فعاليتها.
أيها السادة،
لقد استعرضت رحلة العقود الثلاثة مع الإمام شمس الدين الذي أنار بشمس رؤيته الوطنية الجامعة صعيدنا الوطني في كل مواقفه كمبلغ رسالة الإسلام الى روح المواطن على اختلاف معتقداته وانتماءاته. فالنص الديني أمر يهتم به المؤمن من حيث الاعتقاد والايمان، لكن فقه النص يتصل بحركة المسلم في إطار المجتمع. وهنا تبدأ الحضارة تجمع جهد الإنسان في وعي مشترك لمخاطر المستقبل.
تلك هي القضية الرئيسية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب… انه الوعي المشترك في مسيرة الوطن. وحينئذ نجد المقاومة متجذرة في أصلها الوطني الثابت ومنبسطة الفرع في سماء الوطن كله.

شاهد أيضاً

مفهوم الوحدة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين

محمد محفوظ – مجلة الكلمة العدد   3004 – 01|2003  في ظل التطورات والتحديات الراهنة ...