أخبار عاجلة
الرئيسية / سيرة الإمام شمس الدين / ذكرى رحيل الإمام شمس الدين / الذكرى الثالثة لرحيل الإمام شمس الدين

الذكرى الثالثة لرحيل الإمام شمس الدين

 

شهادات وقراءات
في الذكرى الثالثة لرحيل الإمام شمس الدين

 

النهار — (الأحد، 11 كانون ثاني «يناير» 2004)

رضوان عقيل

  ست عشرة شهادة وموقفاً قيلت في الامام محمد مهدي شمس الدين في الذكرى الثالثة لرحيله، وهو الباقي في وجدان عارفيه ومحبيه.

جمعت “مؤسسة الامام شمس الدين للحوار” مؤتمر “شهادات وقراءات في جهاد الراحل واجتهاده” نخبة من المشاركين العاملين في حقول الثقافة والدين والتأليف لتستمع الى شهادات من كل الوطن وطوائفه ومشاربه في شمس الدين، واجمعت على دور الراحل الكبير وعمق تراثه الديني والفكري الذي لم يخلفه لابناء طائفته الشيعة فحسب بل تخطى حضور شخصه حدود لبنان.

شق طريقه في النجف حيث ولد منتصف الثلاثينات وترعرع في ازقة حوزاتها وحاراتها وعاش فيها 33 عاماً متواصلة. وكانت المدينة التي عشقها واستمد من عتباتها المقدسة ومراقد ائمتها معين الفكر والايمان والمواجهة.

عاد الى بيروت عندما شعر بالاخطار التي بدأت تهددها ليعمل الى جانب رفيق دربه وصديقه الامام موسى الصدر ولينطلق الى العالم الاسلامي عبر كتاباته ووصاياه الصالحة دائماً لعلاج ما تعانيه المنطقة اليوم، اذ كان يقرأ بامتياز الاحداث وتطوراتها في المستقبل.

تكلم الخطباء امس بشفافية ومن دون مواربة عن امام وعالم بكوه من القلب وهو في عز عطاءاته. وفي ايامه الاخيرة وهو على سريره في المستشفى يسترجع مسيرة اعوامه التي امضاها في العلم والفقه والتدريس. بقي القلم يلازمه ليخط على صفحات بيضاء وصادقة اسطراً تتناول مصير بلده وامته.

لم يستطع المتحدثون اختصار رحلة شمس الدين ومواقفه في لبنان والشيعة والكنيسة والجهاد والمرأة والحوار والمقاومة… وغيرها من موضوعات مهمة تطرق اليها في مؤلفاته.

ثمة رجال “تموت” خطبهم ومواقفهم مع رحيلهم لكن قراءات شمس الدين تزداد اهمية مع مرور الاعوام لما تختزنه من سعة افق.

استضافت قاعة الاحتفالات في الجمعية الخيرية الثقافية مؤتمر “شهادات وقراءات في جهاد الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين واجتهاده” امس.

وحضر الوزير اسعد دياب ممثلا رئيس الجمهورية اميل لحود، النائب علي خريس ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوزير الياس سكاف ممثلا رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، الرئيس الياس الهراوي، الرئيس رشيد الصلح، والنواب بشارة مرهج وانور الخليل وفارس سعيد، سفير ايران مسعود ادريسي، نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان، المطران بولس مطر ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير، الشيخ خلدون عريمط ممثلا مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، الدكتور طارق متري ممثلا البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم، المطران سليم غزال ممثلا البطريرك غريغوريوس لحام، قائم مقام شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ بهجت غيث، المطران كيغام خاتشريان ممثلا الكاثوليكوس ارام الاول، الامين العام لمجلس كنائس الشرق الاوسط رياض جرجور. وشاركت ايضاً مجموعة من النواب السابقين ووفدان من حركة “امل” و”حزب الله” وحشد من رجال الدين وشخصيات.

بداية تحدث نجل شمس الدين ابرهيم شمس الدين واعتبر ان “الحوار هو عنوان المؤسسة وهو هدفها، وليس الامام شمس الدين الا رمزا لها، وهي مؤسسة كان يجب ان تطلق في حياته وكان علينا ان ننشئها قبل وفاته، وهذا ليس انتقاصاً من قيمته ومكانته والعياذ بالله، انما هو تعزيز للحوار بما هو قيمة حقيقية وبما هو حاجة حقيقية، ادركها الامام الراحل فعمل لها وبلورها وجاهد فيها من علمه وهو عالم جليل، ومن فقهه وهو فقيه كبير، ووضع اسساً ورسم مساحات لها استنادا الى ثقافة شديدة الاتساع وشديدة العمق، وادراكاً لحياة جماعات ومجتمعات اصبحت شديدة التداخل في عالم شديد التغير. هو اراد للحوار ان يكون قضية حياة ولهذا دعا الى حوار الحياة دفناً لحوار السيف ونبذاً لحوار الغضب ولحوار العنف.

قبلان

     وارتجل قبلان كلمة جاء فيها: “افتقدنا الامام شمس الدين في عز عطاءاته وكان النموذج والقدوة. عايشناه ورافقناه وعارضناه وكل مرة كنا نراه صخرة تنكسر على جوانبها التيارات المعادية والمغرضة. عمل في صمت لان همه لبنان والعيش المشترك والوحدة الوطنية. وكان محاورا لبقاً وعاقلاً وهمه الوحيد هو تجاوب ابناء الوطن في ما بينهم. وانفتح على جميع شرائح الوطن وعمل من اجل قيامة لبنان الواحد والموحد”.

مطر

     والقى المطران مطر كلمة البطريرك صفير، وقال: “(…) إن أطلقنا صفة المعلّم على هذا العلاّمة الفريد في وطنه وفي عصره، فلأننا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، ننهل من غزارة علمه وننحني أمام الاشراقة التي أطلّ بها على دنيا الناس سواء في درس الاسلام أو في رعاية الحوار البنّاء بين الاسلام والمسيحية في لبنان والمنطقة والعالم. 

ففي ما يعود الى الاسلام، يلفتنا اولاً موقف قاطع للإمام يرفض فيه “الجهاد الابتدائي” متمسكاً في ذلك بالجهاد الدفاعي وحده. والقيمون الحاليون على أقوى قوة في العالم يبررون ما لا يبرر بتشريعهم الحرب الوقائية التي لا تمتّ بصلة الى الاخلاقية العامة ولا الى الاخلاقية السياسية المعهودة بين الشعوب (…)”.

اضاف: “من فهمه العميق للإسلام وحقيقته ينطلق الإمام شمس الدين الى التجربة اللبنانية عبر الدعوة الصريحة الى الحوار الاسلامي – المسيحي، ومن ثم الى رؤية جديدة للمستقبل العالمي الذي تنفتح له آفاق من الانفراج بفضل هذا الحوار ومستلزماته. أما هذا الحوار فهو عند اللبنانيين حوار الحياة والتعايش وليس حوار اللاهوت او سواه. على ان الاسلام لا يتنكّر فيه لنفسه بل يُدعى فيه المسيحيون الى ان يعرفوه ويقبلوه كما هو. وكذلك المسيحية لا تتنكر فيه لنفسها بل يقبلها المسلم ويعرفها كما تؤكد حقيقتها بذاتها. ولن يقوم اللبنانيون بهذا الحوار من أجل ذواتهم فحسب بل انهم يقومون به لمصلحتهم ولمصلحة المسلمين والمسيحيين في كل مكان من الأرض (…)”.

غيث

     وقال الشيخ غيث في كلمته: “نكتفي بالاختصار المعبّر عن بعض ما عشناه ولمسناه من مناقب الراحل الكبير الذي ترك فراغاً كبيراً برحيله المبكر وعن افتقاد المجتمع الديني والسياسي رمزاً بارزاً بآدابه وبلاغته وغزارة ثقافته وعلمه وفقهه الديني والاجتماعي والفلسفي وخبرته العميقة في مناحي الحوار والجدل ومجالات التفاهم بلغة السلامة والمحبة واحترام الرأي الآخر من دون التخلّي عن ثبات الموقف وصراحة الرأي، وكذلك الاصرار على تجاوز الفوارق والعوائق والخصوصيات الصغيرة والالتقاء على الثوابت الوطنية والقومية الكبيرة، مع دوام الانفتاح والتواصل والحوار لاتقاء الأسوأ في هذا الزمن المتدهور (…)”.

غزال

     والقى المطران غزال كلمة البطريرك لحام وقال فيها: “أمضى الإمام شمس الدين أعوامه مجتهداً وباحثاً. عاش إماماً في وطن لا في طائفة. وعاش من أجل قضايا العرب والمسلمين. وكم نحن اليوم في حاجة الى استمرار هذا النهج لنحافظ على وحدتنا الجامعة في وجه شعارات وعناوين ظالمة تريد وضع اليد على ثرواتنا. لنوحّد ممسيرة كبارنا ونضالاتهم كي نحجز لنا موقعاً على خريطة الأمم والشعوب الناهضة”.

عريمط

     وتلاه الشيخ عريمط باسم المفتي قباني: “كان سماحة الامام خلال مسيرته العلمية يجسّد فعلاً وقولاً وحدة المسلمين واللبنانيين واستطاع ان يجسّد ايضاً الانفتاح اللبناني والعربي في حواراته مع دار الفتوى والمراجع الدينية الأخرى، وكان مجسّداً لوحدة المسلمين في لقاءاته وعلماء الأزهر والنجف ورابطة العلماء المسلمين. لبنان والوطن العربي في حاجة الى مثل هذا الفكر والاجتهاد في ظل الظروف العربية والآلام التي تهدد الأمة العربية والاسلامية، شمس الدين كان نبراساً وسيبقى كذلك (…)”.

خاتشريان

     والقى المطران خاتشريان كلمة الكاثوليكوس ارام الأول وفيها “ان الامام شمس الدين كان مثالاً للتواضع، بعيداً من مظاهر الترف والجاه، التي كان البروتوكول يفرضها من حين الى آخر على حياته التي تميّزت بالبساطة الكاملة. كان متواضعاً في علاقته مع الآخرين، عادياً الى درجة الوضوح، لذلك بقي شفافاً وعفوياً. هذه الشفافية في التفكير وطريقة العيش كانت مصدر سلطته ووفائه. كان محل ثقة الجميع وفي كل المراحل الصعبة التي مرت بلبنان لمواقفه الواضحة في القضايا المختلفة (…)”.

جرجور

     وقاس القس جرجور: “(…) لم نعقد يوماً ندوة حول قضايانا الوطنية والقومية اشتركت فيها شخصيات غربية، ولم يزر لبنان، على دعوة من مجلس كنائسنا، وفدٌ من أعضاء الكنائس الاميركية والاوروبية، الا وكان من صلب البرنامج لقاء تلك الشخصيات والوفود وسماحته. وكان، رحمه الله، يستفيض أمام زواره شرحاً للأخطار التي تتعرض لها القدس، وخصوصاً تفريغها من سكانها وسياسة تهويدها والظلم اللاحق بالفلسطينيين واستلاب حقوقنا العربية المشروعة على أيدي المستكبرين في هذا العالم. ولنموذجية عيشنا الاسلامي – المسيحي المشترك الذي يكذّب اطروحة صدام الحضارات والثقافات والاديان (…)”.

متري

     والقى الدكتور طارق متري كلمة البطريرك هزيم وقال: “كان الإمام الراحل صديقاً عزيزاً للبطريرك اغناطيوس الرابع وتركت لنا نحن المسيحيين عدداً من الوصايا. ولم يكن غريباً الا يخاطب صاحب السماحة الشيعة وحدهم بل كانت عينه على جميع المواطنين واعتمد لغة واحدة وواضحة ليقصر المسافة. ولم يميز بين مواطن وآخر وكان حريصاً على الوحدة الوطنية وصاحب خيار المشاركة. ولم يكن محرجاً في قول افكاره وعرضها امام الجميع. وكان صاحب مشروع في العالم العربي والاسلامي”.

– الجلسة الأولى  –

     ترأس الجلسة الأولى النائب السابق عمر مسقاوي وتحدث فيها الدكتوران وجيه كوثراني وسعود المولى والعلامة السيد هاني فحص. وقال مسقاوي: “(…) فتح الإمام شمس الدين في اجتهاده جميع الابواب التي كانت مغلقة في بقية المذاهب الاسلامية لكي يدلف بعضها الى بعض في صياغة جديدة لوحدة الثقافة الاسلامية. فقد اهتم بوحدة المعيار في تناول المشكلات سواء كان تناولها عبر الفقه الشيعي الجعفري او من كتب المذاهب السنية (…)”.

كوثراني

     وتناولت مداخلة كوثراني عنوان الأمة والدولة والسلطة في فكر الامام الشيخ شمس الدين”. وتحدث عن “مفاهيم الدولة والأمة: من صورة الماضي الى حاجة التأسيس للحاضر والواقع. 

وعرض موقف شمس الدين من ولاية الفقيه في الفكر الاسلامي الشيعي. وقال: “أثارت نظرية ولاية الفقيه نقاشاً واسعاً، خصوصاً بعد الثورة الاسلامية في ايران، وتموضع النقاش في الغالب حول حجم ولاية الفقيه (اي مدى صلاحياته بتعبير اليوم): هل هي مطلقة وعامة وفردية كما هي ولاية الإمام المعصوم أم هي جزئية ومقيّدة كما كان ينبغي ان تكون في الماضي على قاعدة مبدأ الشورى الملزم، وكما أيضاً يجب ان تكون في دولة حديثة معاصرة مؤسساتية ومرتكزة على مبدأ الاقتراع وفصل السلطات. ويناقش الشيخ هذه المسألة مناقشة اصولية عميقة ويعالج جوانبها وتداعياتها في الفكرين السني والشيعي.

وشرح آراء شمس الدين في العلمانية والاستقواء السلطوي بالدين، فضلاً عن الديموقراطية وولاية الأمة على نفسها ومفهوم المواطنة والفرد.

وتوّج ممارسته اثناء معاناته المرض العضال بوصيتين يجدر ذكرهما في ختام هذا البحث:

– وصية للشيعة في لبنان وفي كل مكان، ان يندمجوا في اوطانهم كمواطنين،

– ووصيته التي صاغها بصيغة تمنٍ قبل احتلال العراق بأن يبادر الحكام العرب لايجاد مخرج للأزمة العراقية(…)”.

المولى

     وكان عنوان مداخلة المولى “قضايا الحرب والجهاد والمقاومة والعنف المسلح في فكر شمس الدين”. 

وقال: “كان للامام شمس الدين منذ مرحلة مبكرة من اجتهاده الفقهي اهتمام كبير بهذه الظاهرة البشرية ومحاولة للتنظير والتأصيل الاسلامي نلحظها خصوصا في كتبه ودراساته عن الامام علي.

وتناول المولى موقف شمس الدين من الجهاد بمعنى القتال وشروطه وضوابطه. وقال “رأى الامام ان اسوأ ما واجهته الحركة الاسلامية العربية هو تلك “الحال الشاذة المرضية لعلاقتها مع المجتمع الاهلي ومع علماء الدين”، اذ تميزت بالغربة والانفصال عن القاعدة الشعبية ان لم يكن بمواقف الحذر والشك والتحفظ ناهيك بالفتور وعدم الانفتاح وربما العداء والقطيعة مع علماء الدين على اختلاف مقاماتهم ورتبهم. ما زاد من “حال الحصار وقساوته وضاعف الشعور بالعزلة وولّد في حالات كثيرة شعورا حادا بالمؤامرة”.

في هذا الجو من الحصار والعزلة وما يكوّنه من افكار ومشاعر ولد مناخ العنف الذي طبع الحركة الاسلامية وطبع اسلوب العمل السياسي الذى مارسته أكان عنفا في لهجة الخطاب السياسي ام في اشكال السلوك والتعامل الحياتي اليوم، ام عنفا مسلحا. وقد التمست الجماعات التي مارست العنف اساسا فقهيا لشرعية استعمال العنف المسلح مما اوقع الحركة الاسلامية بسبب ذلك في اخطاء وخطايا كبيرة”.

وختم: “ما من زعيم ديني او سياسي كتب وحاضر ووعظ وارشد ووجه وناشد وخاطب، وايضا نظم واصّل خطاب المقاومة الفقهي والسياسي، بقدر ما فعل الامام شمس الدين. حتى اني ازعم أنه فقيه المقاومة وفيلسوفها بامتياز. ولا يمكن حصر المساهمات المكتوبة او المسجلة لسماحته في هذا المجال، ولا يمكن حتى رصد المواقف والتوجهات التي شكلت زادا وذخيرة للمجاهدين خلال ربع قرن من توليه سدة المسؤولية الشرعية. اذكر باعتزاز وقوفه مثل سماحة الامام السيد موسى الصدر الى جانب الشرفاء والمخلصين من كوادر الثورة الفلسطينية ومجاهديها من عام 1969 حتى اللحظة الاخيرة. فهؤلاء القادة كانوا يميزون على الدوام بين انتصارهم للقضية الفلسطينية وبين انتقادهم ومواجهتهم للسلوكيات الضارة وللرؤى والمواقف الخاطئة التي تتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عما آلت عليه الاوضاع في لبنان وفي خصوص الوضع الفلسطيني. وليس هنا مجال فتح هذا الملف انما تعنينا بالاساس عملية التأصيل الفقهي والتنظير السياسي لمسألة المقاومة في لبنان، كامتداد وتواصل في نهج سماحته في التعامل مع قضية الحرب والعنف والجهاد(…)”.

فحص

     وعرض السيد فحص في مداخلته موضوع “المرأة ومسألة تولي السلطة”. وقال: “امجد فقيها (شمس الدين) يميز بين الشريعة وفقهها، اي فهمها، فيرفع عنك عصي الفقهاء الذين يماهون بين الشريعة وفهمهم لها، ويلزمونك معرفة غير ملزمة، فيمنعونك من الشراكة في انتاج المعرفة، ولو من موقع المساءلة. اما هو فبمجرد ان يأنس فيك ميلا الى المعرفة بالحوار، يستدرجك الى الاسئلة ويكمل سؤالك بالسؤال. وفي آخر الاسئلة تستوي المعارف عمارة مفتوحة على الزيادة والاستزادة تلتزمها بينما هي لا تلزمك، اي تخالفها فتثرى بها وتُثريها. ويطمئنك عندما يخبرك ان الابداع ليس انقطاعا وان الاتباع ليس تكرار المتبع ولا اضمحلالا للمتبع(…) 

ومن ولاية الامة على نفسها ككلية ينزل الى التفاصيل، واهم هذه التفاصيل ولاية المرأة على نفسها، اي انه يقيم اعتبارا علميا للمجموع كحقيقة معنوية، ولا يهمل الفرد او الافراد حقيقة ملموسة حافلة بالمعنى. من هنا اقتناعاته بالدولة كضرورة اجتماع تقرر في ظروفها، واقتناعاته والمعادلة بالدولة كاجتماع للافراد لا للجماعات ممانعاً في محو الفرد بالجماعة واختزال الجماعة بالفرد او الافراد ميالا الى حصر الخلاص في خيارات الافراد في الدنيا كما في الآخرة منسجما مع التنزيل. اذن والمرأة هذه المرأة او تلك، والرجل هذا الرجل او ذاك لا النوع ولا الجنس، اي ليس في التكوين والسياسة في منتهاها الذي لا بد ان تبلغه والا فلا هي الدولة، اي السلطة بما هي مظهر للدولة لا بديل منها، كما هو حالنا في لبنان والعرب، وإن لم تصل المرأة فخيارها مصادر وحقها مغتصب. وتضيق مساحة الشراكة، او تصبح حصرية، ما يعني إقصاء نصف المجتمع عن شأن المجتمع، اما ان التاريخ غير حافل بأمثلة لوصول النساء الى الدولة او السلطة، فانه غير خال ايضاً (…)”.

وختم: “الامور تشير الى عكس ما يشتهي او يرغب أهل السكون والتسكين طلباً للسلامة، اي الذين يثبتّون المتغير، ويرمون النقص في معرفتهم على الله وشريعته. والفارق هذه المرة، في خلفيات حضور المرأة، وفي السعودية لا في لبنان، ما يعني قشرية الحداثة اللبنانية لهذه الجهة، الفارق، ان حضور المرأة هو حضور لا استحضار، اي مشاركة لا منة فيها للذكر على الانثى، بل هي استحقاق معرفي وعملي، بعد التجربة الطويلة والمتدرجة والمتراكمة والجارية على شيء من التغلب، تغلب المرأة، او شيء من اغتصابها لموقعها ودورها او استرداد لحقها، يصير ما كانت شؤونها عرضة للاغتصاب، اي ان المرأة ماضية في تحقيق ذاتها وتجوهرها واختراق معاندة الذكر وتحويلها اذعان للواقع على موجب الاهلية الثابتة، ما يرقى به فقيهنا شمس الدين الى نهايته المنطقية من دون ان ينشغل بتقديم نفسه مبدعاً في الرجال والعلماء (…)

– الجلسة الثانية  –

     وتحدث في الجلسة الثانية عضو “لقاء قرنة شهوان” سمير فرنجيه والمحامي سليمان تقي الدين والدكتور طارق متري وادارها المفكر منح الصلح. 

وقال الصلح: “في عصر عربي واسلامي يتصف بالتشرذم والضياع كما بالمقاومة وجدل التطرف والاعتدال، وبعد مضي اكثر من قرن على صدور رسالة التوحيد التي وضعها في فترة نفيه الى بيروت شيخ الازهر الإمام محمد عبده، ارسل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين صوته الصارخ في وجدان الأمة في لبنان وفي مصر وسوريا والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية والمغرب وفي ايران ولندن وباريس وفي كل مكان من ارض العروبة والاسلام”.

فرنجيه

     عنوان مداخلة فرنجيه كان “لبنان الكيان والمعنى والدور”. 

وقال: “ليس بالامر البسيط أن يدعو الإمام محمد مهدي شمس الدين اساقفة مسيحيين بترؤس جلسات عمل في مؤتمر “الاسلام والمسلمون في عالم متغير” الذي عقد في بيروت .1994 ولا شك في ان الدافع وراء هذه الخطوة اللافتة يتخطى مسألة الانفتاح على المسيحيين واشراكهم في اعمال مؤتمر مخصص لبحث شؤون المسلمين في لبنان والعالم (…)”.

اضاف: “ثمة خيار آخر عمل الإمام على رسم معالمه ويقوم على فكرة الانسجام بين الدين والدولة. وتعني فكرة الانسجام احلال التناغم بين الوسائل التي تستخدمها الدولة لتأمين ادارة النشاطات المشتركة في المجتمع وضبطها، والغائيات التي يعينها لها الدين. والدين بهذا المفهوم هو الطريقة التي يتوصل من خلالها مجتمع ما الى وعي نفسه ووعي صلاته بالطبيعة والعالم والكون. وبهذا المعنى فإن احلال الانسجام في الصلات بين الدين والدولة يعني تنظيم الصلات بين الدولة والمجتمع، ذلك ان الدولة لا يمكنها ان تكون لا علمانية ولا دينية، بل مدنية، تنتقي وسائلها وفق مقاييس المردودية والفاعلية، وتحتكم، في الوقت نفسه، الى القيم والغايات التي يؤمن بها المجتمع (…) أدرك الإمام دون غيره سرّ المستقبل اللبناني وأخرج المعادلة المأزومة من جدار التقابل المسدود مقترحاً حلاً يستوعب هذا التقابل ويتخطاه آخذاً في الاعتبار مصالح المتقابلين المشروعة. فذهب الى عمق التجربة اللبنانية ليعيد احياءها في اللحظة التاريخية التي كان خلالها العالم قد بدأ يبحث عن حل لأزمة الحداثة.

اقتراح الإمام هو الذي يضع لبنان الكيان والمعنى والدور مجدداً في قلب العالم لا خارجه. واذا أراد اللبنانيون ان يكرّموا الإمام في غيابه وان يخلّصوا لبنان في آن واحد، فليس عليهم سوى ان يحوّلوا اقتراح الشيخ الراحل حقيقة ملموسة تكون باباً الى الحياة والى المستقبل”.

تقي الدين

     وتحدث تقي الدين عن دور شمس الدين في الحوار اللبناني الداخلي وعن مسيرته في تولي القيادة الروحية الاولى في الطائفة الشيعية بعد تغييب الإمام موسى الصدر عام .1978 وركز على الحوارات التي قام به. 

وقال: “كانت افكار الإمام حاضرة في كل المشاريع الوفاقية المطروحة، حتى كان اتفاق الوفاق الوطني في الطائف خريف عام 1989 فكانت للإمام رعاية خاصة لهذا الاتفاق في التشجيع على انعقاده وفي تسهيل مهمة تحويله اقتناعات وطنية ومن ثم في محاولة تطبيقه. كانت أهم المبادرات التي رعاها الإمام شمس الدين آنذاك تأسيس الامانة العامة الدائمة للقمة الروحية الاسلامية عام .1992 وتلك الهيئة بلورت الخطاب الوطني للمرجعيات الاسلامية وجعلت منه خطاباً حوارياً بامتياز. فوحدت موقف المرجعيات الاسلامية الدينية وساهمت في إظهار هذا الموقف بصورة جامعة في ظل خلل واضح ناجم عن شغور رسمي على صعيد المرجعيتين السنية والدرزية ذلك الوقت. فكان الإمام يلعب دوراً قيادياً توحيدياً لا جدال فيه ويقدّم الموقف الاسلامي على النحو الذي يشكّل قاعدة للحوار مع الآخر. وفي ذلك سعى الى توحيد الموقف الاسلامي من جهة تمهيداً للمبادرات لتوحيد الموقف الوطني وقد تجلى ذلك في مناسبتين مهمتين:

– الاولى، هي التفاعل مع ابحاث السينودس الكاثوليكي والمشاركة في بلورة نص وطني مسيحي يدعم الثوابت الوطنية والوفاق الوطني، وقد أدى دوراً مهماً في الحوار مع المسيحيين.

– والثانية، هي القمة الروحية المسيحية – الاسلامية التي انعقدت في بكركي اثر العدوان الاسرائيلي على لبنان عام .1993 وجاء اجتماع هذه القمة والبيان الصادر عنها ليشكلا الرد الوطني على هذا العدوان وإحباط أهدافه السياسية (…)”.

وتابع: “يحتاج الموضوع الى ابحاث تفصيلية ومعمّقة، فهو يطرح قضايا كثيرة وكبيرة. لذا اختار عنوانين يتصلان بالحوار الداخلي اللبناني وهو موضوع هذه المداخلة. العنوان الاول هو الدولة المدنية، والتعبير اشتقه الإمام حلاً كاملاً متكاملاً للتجربة اللبنانية، وفيه تنطوي او تتفرع العناوين المتعلقة بالوحدة الوطنية والوفاق والعيش المشترك. والعنوان الثاني هو الاجتماع السياسي الاسلامي بعامة، واجتهاده بأن الأمة وليّة على نفسها (…)”.

وختم: “… ان نزع صفة المقدس عن الدولة كما يلح الإمام هو انجاز خطير في الفكر الاسلامي يجعل من الاجتماع السياسي جزءاً في تدبير نفسه وفقاً لأفضل ما أنتجه الفكر السياسي المعاصر، بل ان الإمام يلح على انتاج فكر سياسي للدولة متّفق وحاجات المجتمعات العربية والاسلامية.

وهذه نتيجة واضحة لفكر الإمام على الواقع اللبناني. لأن المسار السياسي للفكر الاسلامي اذا شق طريقه على اساس هذه القواعد الفقهية الكبرى، نكون امام تجربة منفتحة قابلة للحياة ضامنة لوحدة المجتمع ولتنوّعه”.

وختاماً كانت مداخلة متري بعنوان “نحو مشروع للنضال المشترك الاسلامي – المسيحي”، قال: “كان سماحته في سعي دائم لاعتماد لغة واحدة، او على الاقل لاختصار المسافة بين لغة تتوجه الى المسلمين الشيعة واخرى الى مواطنيهم. لم يشارك الكثيرين من رجال السياسة والدين ظنهم ان ازدواج اللغة ضرورة تربوية وبراعة في التمييز بين الملاطفة والمسايرة والوطنية ودواعي الصراحة في الحديث عما يتصل بمصالح الطائفة او هواجسها.

والمسألة عنده أكثر من الإحجام عن قول في غياب الآخر يبدو محرجاً في حضوره. فما يقوله للمسلمين الشيعة يعني غيرهم بقدر كبير. وما يقوله عن المسيحيين كالذي يقوله عن الشيعة، فلا تتوخى الوطنية المستعادة واللبنانية المتجددة التي يقول بها استجابة وترضية للمسيحيين بل ضرورة للاجتماع اللبناني وبقاء كيان لبنان، لا لمصلحة هذا البلد وشعبه فحسب، وانما لمصلحة العالم العربي في كثير من الابعاد وحتى مصلحة العالم الاسلامي وليس من باب الطمأنة او الملاطفة حرصه الكامل على وجود المسيحيين في لبنان وفاعليتهم وعلى شعورهم بالانتماء الكامل والرضى الكامل وعدم التخوّف على المستقبل. انه حرص على تحرير العلاقات اللبنانية من حسابات القوى العددية ومن تبادل الادوار بين اقليات تتصرف وكأنها اغلبيات، واغلبيات يحكم سلوكها منطق الاقليات.

اكثر من ذلك، تستعيد “الوصايا” قاعدة طالما تمسّك بها الإمام وهي ان الشيعة ليسوا اقلية في العالم العربي، وان هذا هو شأن المسيحيين ايضاً (…)”.

لقد ترك لنا الكثير نتأمله ونتدارسه في غير مسألة دينية ووطنية. ينتظرنا عمل كثير في ما نسير على الطريق التي شقها.

وقد سعت هذه المداخلة الى ان تكون مدخلاً الى لبنانياته المسيحية – الاسلامية، والى حوارياته، غير انها، وقبل كل شيء، شهادة محبة كبيرة”.

شاهد أيضاً

مفهوم الوحدة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين

محمد محفوظ – مجلة الكلمة العدد   3004 – 01|2003  في ظل التطورات والتحديات الراهنة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *