أخبار عاجلة
الرئيسية / مواضيع عامة / في ذكرى رحيل خير خلق الله وخاتم رسله صلوات الله عليه وعلى آله – الشيخ عبد الامير شمس الدين

في ذكرى رحيل خير خلق الله وخاتم رسله صلوات الله عليه وعلى آله – الشيخ عبد الامير شمس الدين

المفتي الشيخ عبد الامير شمس الدين

إننا في أواخر شهر صفر من كل عام، نعيش ذكرى رحيل خير خلق الله وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغياب نور ذاته المقدسة عن دنيا البشر الزائلة المحدودة وشروقه في دار الخلود الدائم اللامحدود، ولقد ورد عن وحيدته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام في نعيها إياه صلوات الله وسلامه عليه (يا أبتاه إن الدنيا بفقدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة).

وبغيابه صلى الله عليه وآله إنقطع الوحي الإلهي على الصعيد الرسالي عن أجيال البشرية والى يوم القيامة.. ونحن في زيارته المخصوصة كل يوم سبت من الأسبوع نخاطبه صلى الله عليه وآله فنقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون.. أصبنا بك يا حبيب قلوبنا، فما أعظم المصيبة بك حيث إنقطع عنا الوحي وحيث فقدناك فإنا لله وإنا إليه راجعون).

وفي آخر دعاء الإفتتاح في ليالي شهر رمضان (اللهم إنا نشكو اليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله وغيبة ولينا وكثرة عدونا وقلة عددنا وشدة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا)، ولقد عاش المؤمنون هذه الذكرى الأليمة عبر تاريخهم الممتد من حين وقوعها في اليوم الثامن والعشرين من صفر للسنة الحادية عشرة للهجرة النبوية،الرابع والعشرين من شهر أيار سنة 632 ميلادية وكان له عندئذٍ من العمر ثلاث وستون سنة.

هبط عليه الوحي وله أربعون سنة.. ثم إنطلق من مكة المكرمة يدعو الناس الى دين الله مدة ثلاث عشرة سنة،

وبعد أن أتم الثلاث وخمسين من عمره الشريف هاجر الى المدينة المنورة ،ليحقق بناء الأمة وإقامة الدولة وليتم بيان كل ما يقرب الإنسان الى الجنة ويبعده عن النار. حيث خاطب الأمة قبل أن يرتحل عن هذه الدنيا قائلاً:” أيها الناس.. ما من شيء يقربكم الى الجنة ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به، وما من شيئ يقربكم من النار ويبعدكم عن الجنة، إلا ونهيتكم عنه”.

وبعد إكمال الدين وإتمام النعمة.. هذين الإكمالين والأتمامين..اللذين عبر عنهما الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد، بعد إنتهاء النبي الكريم الحريص على إستمرارية الرسالة ومصالح الأمة بعده..

نعم بعد تنصيبه علي بن أبي طالب – وبأمر من الله عز وجل – خليفة من بعده وإماماً للناس (يوم الغدير) المشهود.. بقوله (ص) مخاطباً جموع المسلمين المحتشدة:” ألست أولى بكم من أنفسكم،قالوا:بلى يا رسول الله،فقال لهم:من كنت مولاه فهذا علي مولاه،اللهم والي من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله،ألا فليبلغ الشاهد الغائب”، وبعد إذن نزل الوحي بقول الله جل شأنه: *اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا*.

غير أن رسول الله لوحظ في أواخر أيامه كثير الحزن شديد الآسى والألم.. فلقد جاء في الحديث الصحيح أنه(ص) كان في الأيام التي سبقت وفاته،كان يخرج عند الفجر الى البقيع حيث مقبرة المدينة المنورة.. وفي يوم سمع وهو يخاطب أهل القبور قائلاً: “يا أهل البقيع هنيئاً لكم ما أنتم فيه،إن الفتن أقبلت كقطع الليل بعضها آخذ برقاب بعض).

هل يمكن أن نجد حزناً أشد عمقاً مما يعبر عنه حديث كهذا!؟

إننا من خلال قراءة متأنية لما هو مبثوث في كتب الحديث النبوي، نلمس بما لا يدع مجالاً للشك، إن الرسول(ص) تحدث عن ملامح المستقبل بكثير من التشاؤم، رغم معرفته اليقينية بخلود رسالة الإسلام وشريعته وإنتشارها في أقطار الأرض، لكنه إطلع ببصيرته الثاقبة ومن خلال ما جاءه به الوحي الإلهي أيضاً على حجم التضحية التي سوف يقدمها لآل بيت النبي من دمائهم في سبيل الحق، كان يعلم (ص) أن اول من سيرتفع على مذبح الشهادة بعد رحيله أقرب الناس اليه، قال لإبنته فاطمة الزهراء عليها السلام أنها أ,ل الناس لحوقاً به إلى الدار الآخرة.

ولنتأمل بعض ما تنبأ بوقوعه من بعده:

خاطب عمار بن ياسر الذي قتله معسكر معاوية بن أبي سفيان:” يا عمار ستقتلك الفئة الباغية وأنت مع الحق،فمن لم ينصرك يومئذٍ فليس مني”.

وخاطب زوجته عائشة:” تخرجين على علي وأنت له ظالمة”.

وورد في جميع كتب الصحاح أنه خاطب المسلمين جميعاً:” وصيتي فيكم كتاب الله وعترتي آل بيتي”.

وخاطب المسلمين بحديثه المذهل- الذي تعيش الأمة مغازيه منذ قرون وحتى اليوم- ” توشك أن تتكالب عليكم الأمم كتكالب الآكلة على قصعتها،قالوا: أوَ من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل”.

وكم بدا واضحاً له (ص) قبل وفاته مدى إنطباق قول الله جلّ وعلا: *وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين*.

وهو يشاهد الرفض لطلبه من قبل بعض صحابته المقربين، بعدما أمرهم بإحضار دواة وقلم ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً.

وما أكثر ما خاطبه الله عز وجل عن المنافقين والأعراب الأشد كفراً ونفاقاً.

أما بعد وفاته فقد تجاهل معظم الصحابة وصية رسولهم الأكرم في العناية بأهل بيته والتمسك بهم.بل إنهم عملوا بعكسها تماماً بدءاً بإبنته الزهراء البتول التي قال فيها:( إن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها). وكان واضحاً إنصراف الناس ومعظم الصحابة عن الإلتزام بوصية النبي بوجوب تأييد الإمام علي والخضوع له خليفة ومرشداً وقائداً الى غير ذلك من الإنقلابات السلبية التي أدت إلى إنهيار عقائدي وسياسي في الأمة الإسلامية حدَّ من تفاقمه مواقف السيدة الزهراء والإمام علي عليه السلام وخليفته ولده الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وأوقف تماديه إستشهاد الإمام الحسين فقد قدم نفسه فداءً لنهوض إسلامي شامل تمكن فعلاً من إنهاء الدولة الأموية بعد ذلك بفترة قصيرة حيث زال كل أثر للأمويين.

وهكذا إستمر دم أهل بيت النبي بالتدفق ليشكل رافعة لنهوض إسلامي مستمر.وكأنما قدرهم الواضح هو الدفاع عن الإسلام وإنهاضه حتى قيام الساعة.

لقد تم إغتيال الإمام علي وهو في محراب عبادته للرب،وإغتيل الإمام الحسن عليه السلام بالسم،وتم قتل الإمام الحسين عليه السلام ومن معه بكل وحشية في كربلاء، وبشكل مرعب ترك أثاره المأساوية إلى الأبد في ضمير كل مسلم حي.

أيها المؤمنون:

ورد عن خاتم الرسل(ص):” بدأ الدين غريبا وسوف يعود غريباً فطوبى للغرباء”. لقد أثار هذا الحديث كثيرا من الجدل بين المسلمين المؤرخين حول الزمن الذي قدِّر للإسلام أن يعود فيه غريباً.. والتحقيق الذي يوصل الى الحق أنه(ص) كان يعني بهذا الزمن ذلك الذي يتلو وفاته مباشرة.. حيث بدا المسلمون يسقطون في أودية الفتن التي حفرها لهم أعداؤهم حتى غدوا أكلة شهية لكل آكل،وهدفاً سهلاً لكل طامع وتحولوا الى ما يشبه غثاء السيل بسبب إبتعادهم عن المبادىء الحقيقية للإعتصام بحبل الله الذي هو الإسلام، ولن تعود إليهم قوتهم وعزتهم ولن يصلح أمرهم إلا بالعودة المخلصة والصادقة إليه.. لأن الرسول محمداً الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يقول:” لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”، وأولها كما هو معلوم لكل ذي عقل لم يصلح إلا بعد إلتزامه بالإسلام،فأخرها لن يصلح أيضاً إلا بعد عودة مجتمعه الى الإسلام الذي بلّغه رسول الله وأهل بيته دون غيرهم.

ولقد أنبأ عنهم (ص) بقوله:” لا تزال فئة من أمتي ظاهرين على الحق لا يهمهم من خالفهم”..،وهم أتباع الذين قادوا عملية الإنتصار على المشركين واليهود في صدر الإسلام..،كما أنهم هم الذين نصرهم الله على اليهود في لبنان، والذين يخوضون فعلاً معركة الوجود ضد اليهود في فلسطين.

*الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين*.

*يا أيها الذين آمنوا إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون*.

شاهد أيضاً

ذكرى رحيل الامام الخميني قدس سره وإنتصار لبنان في أيار 2000 – الشيخ عبد الامير شمس الدين

تلتقي ذكرى ولادة الإنسانية ببزوغ نور رسولها الخاتم محمد بن عبد الله في عالمنا الدنيوي ...