أخبار عاجلة
الرئيسية / في فكر الإمام / خطب الإمام / التطبيع والغزو الثقافي واثرهما على العرب والمسلمين

التطبيع والغزو الثقافي واثرهما على العرب والمسلمين

محاضرة في السويداء سوريا بتاريخ 8-11-1998

أعتقد أن هذا الموضوع هو قضية جيلنا، وقضية الجيل القادم. نحن بطبيعة الحال نواجه قضايا كبرى: قضية بنائنا السياسي، وقضية تكويننا الإقتصادي والتنموي، ولكن كل ذلك رهين بما يكون عليه حالنا في شأن التطبيع والغزو الثقافي.

قبل الدخول في صميم الموضوع نعرّف مصطلحات العنوان.

أولاً التطبع:  هو جعل العلاقات سوية طبيعية ليس فيها إفتعال أو تزوير، أن تكون العلاقات صادقة بيننا وبين الآخر.

الغزو الثقافي:  يمكن أن تكون صلتنا بالآخر نتيجة لتعاقد وتفاهم، ويمكن أن تكون نتيجة لغزو.  يمكن أن تكون العلاقات نتيجة لمعادلات إختيار أو معادلات قوة “غزو إقتصادي، ثقافي، سياسي“.

التطبيع والغزو الثقافي مصدرهما مختلف في الشكل ومتحد في الجوهر . حينما نتحدث عن التطبيع نعني بذلك إسرائيل، وإسرائيل تتحدث عن التطبيع معنا، والجهة المستهدفة هي نحن. العلاقات بيننا وبين الإسرائليين لا تزال علاقات عداء وحرب، والمطلوب أن تكون علاقات طبيعية.

الغزو الثقافي هو أمر أوسع.  لا يقتصر الأمر على إسرائيل وإنما نعني بذلك العالم الغربي عموماً.  يقال أننا معرضون لغزو ثقافي، وهذا يعني أن نمطاً من الثقافة، يتكون من مضامين متنوعة، نتعرض لغزوه، وهذا يعني أن هذا النمط غريب عنا.

التطبيع يفترض العدالة، يفترض ان هناك حقوقاً وإلتزامات، وأن هذه الحقوق مؤداة، وأن هذه الإلتزامات موضع إحترام. ما لم تكن الإلتزامات بين الأطراف محترمة فلا نتصور أن تقوم علاقات طبيعية. ننطلق من مثال بسيط: سجن فيه مذنبون صدرت بحقهم أحكام لأن علاقتهم مع المجتمع غير سوية. لا بد أن يكون غطلاق سراحهم وجعل العلاقة معهم طبيعية قائمين على امرين: ما هي إلتزاماتهم تجاه المجتمع، وما هو إلتزامهم بمبدأ العدالة؟.

هذا هو الأساس البسيط الذي يحكم كل تشعبات هذه القضية الكبرى.، منذ ولادة مصطلح التطبيع في المنطقة على أثر مؤتمر مدريد. وقد اخترعت في ذلك المؤتمر صيغة لسياق المفاوضات السياسية والأمنية بين دولة ودولة، وجوهر الأمر كان دائماً التطبيع : إنشاء علاقات طبيعية في الثقافة والإقتصاد والتجارة والمياه بين العرب وإسرائيل.

في حينه أنا طورت مقولة قائمة على حيثية فقهية سياسية هي:”ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة“، وقلت إن الأنظمة كانت مضطرة فذهبت إلى مدريد، وأنا وأمثالي ننتمي إلى خيارات الأمة، والتطبيع يتعلق بخيارات الامة، ولذلك كان الموقف الحكيم والعادل، هو رفض التطبيع. وبدأت مشكلة جديدة بيننا وبين الكيان الصهيوني وبيننا وبين العالم الغربي، بسبب هذا الموقف. يريدوننا أن نجعل هذا المجرم الصهيوني إنساناً طبيعياً ودولة طبيعية، في النسيج العام للمنطقة، في سياستها وأمنها وإقتصادها، ونحن نقول لا.

نحن نقول أن التطبيع يجب أن يقوم على أساسه الصحيح. نحن لسنا ضد التطبيع بالمطلق، ولكننا مع التطبيع بعد أن يصحح المجرم سلوكه ويخضع لمقتضيات العدالة. عادة أنا أقول توجد عدالتان: عدالة حقيقية، والعدالة التي أنشأها المجتمع الدولي في الأمم المتحدة والتي تحكمها القرارات التي يدار بموجبها العالم الآن، ومن جملتها قرار تقسيم فلسطين.

نحن لا نطالب الآن بتطبيق العدالة الحقيقية المطلقة، وإنما بتطبيق العدالة النسبية التي أقرتها الشرعية الدولية وعينت إلتزاماتها.

ولذلك نقول: يجب أن يقوم التطبيع على مبدأ الوفاء بالإلتزامات وعلى أساس مبدأ الحقوق المعترف بها. الوضع القائم بين العرب والإسرائيليين هو وضع غير عادل، وفيه خلل كامل بالإلتزامات من جهة إسرائيل ومن جهة المجتمع الدولي: لدينا قضية فلسطين المحتلة “وهي أرض عربية مسلمة ومسيحية ولدينا الأاراضي المحتلة في سوريا ولبنان.

التطبيع يقوم على الوفاء بهذه الإلتزامات. فإذا لم يكن هذا فكيف يكون التطبيع؟ في هذه الحالة موقفنا من التطبيع سيكون اللاتطبيع. ومن هنا فإن الموقف الصحيح من المفاوضات المتعددة الأطراف، الرامية إلى البحث في شؤون المياه والطاقة والتبادل التجاري والتمثيل الديبلوماسي وما إلى ذلك من أمور تندرج تحت عنوان “التطبيع” أقول إن الموقف الصحيح من هذه الأمور هو أنها تأتي بعد حل مشكلة الأرض والحقوق الأساسيةبعد ذلك نرى كيف ننشىء علاقات إنسانية بيننا وبين الكيان الصهيوني.

أيضاَ من جملة الأمور التي أنصح بطرحها موضوع السلاح الذري الإسرائيلي. الآن الولايات المتحدة تجبر العالم وتجبرنا على توقيع معاهدة منع إنتشار الأسلحة النووية، وفي الوقت نفسه تحطم الشعب العراقي، وليس النظام، تحت شعار تجريده من أسلحة الدمار الشامل، وأصبح معروفاً أن إسرائيل تملك جميع أسلحة الدمار الشامل.

هذا الأمر يجب ان يدخل في شروط التطبيع عندما يحين وقت البحث فيه وهو تجريد إسرائيل من اسلحة الدمار الشامل. من دون هذا لن يكون هناك تطبيع. وأي عملية تطبيع يسير فيها أي شخص فهي عملية خيانة، ليس فقط للذات بل خيانة للعرب والمسلمين.

بالمقاييس الشرعية والأخلاقية هذه قضية خيانة. التطبيع مع الإسرائيليين بكل وجه من الوجوه هو ليس تطبيعاً بل دعوة جديدة لإخضاع العرب. يريدون تحقيق النتائج الإقتصادية والثقافية بالمفاوضات وبالقهر، وهذا الأمر مستحيل.

عادت بي الذاكرة إلى ما نعرفه جميعاً، حينما عرضت قريش على رسول الله “ص” أن يعبد ربه يوماً، وأن يعبد آلهتهم يوماً، حينما عملوا الحصار الشهير وقطعوا عنه كل أساسيات الحياة في ذلك الوقت، وعرضوا عليه ان يطبع هذه العلاقات، فرفض هذا التطبيع وسياسة الخطور خطوة، وقال قوله الشهير: والله، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دون ما تركته”.

أنا أقول أن إسرائيل تحتاج إلى المياه فلا تستطيع أمريكا أن تشحن لها المياه، وإسرائيل عندها بضائع وتريد أن تبيعها فلا تستطيع. أي تطبيع هو إمداد الإسرائليين في الحياة! من هنا، من دون توفير الشروط ، لا يجوز أن تنشأ هذه العلاقات، وأنا أعرف أن زعماء ودعاة التطبيع هم أصحاب البنوك وليس الناس العاديين.

التطبيع هو عملية سياسية إقتصادية تسعى إليها مصالح مالية كبرى، ليس لها وطن أو قوم أو دين.

نتيجة لغياب “مكتب مقاطعة إسرائيل” فإن المسؤولية الان تقع بالدرجة الأولى على عاتقنا نحن، المجتمع، النقابات والأحزاب والمؤسسات الفكرية. أنا أدرك ضرورات الأنظمة، ولكن بكل أسف بعض الأنظمة لا تقدر خيارات الأمة! ولذلك إقترحت أن تنشأ في كل قرية وفي كل وحدة إنتاجية وفي كل منطقة مؤسسات أهلية بمعزل عن الحكومات، لأجل ترسيخ ونشر ثقافة مقاومة التطبيع، وكل أشكال إحتراق السوق الإقتصادي والثقافي. أي بضاعة تأتي من إسرائيل يجب أن تكسد! وأنتم تعلمون أن أي صناعة وطنية لا تنمو في ظل الظروف التي يراد أن ننفتح عليها، وأنا اقول لمن لا يعي، بأننا سنوعد بالمن والسلوى، وأن التطبيع سيحسن الاوضاع الإقتصادية! هذا أمر نعوذ بالله منه ولا نقع فيه. هو الشر الذي ما بعده من شر.

لا يوجد أي نظام سياسي مخول أن يسن قوانين ترغم الناس على التطبيع. هذا أمر يعود إلى خيارات الأمة.

(…) آمل أن نتعاون جميعاً في المجتمع الأهلي على مستوى الأمة لتعزبز هذا الخطاب وتكوين هذه القناعات في نفس المواطن.

وفي هذا السياق أقول بأنه سبق لنا أن خضنا ضد أنفسنا صراعات كثيرة، داخل التيارات القومية والوطنية والإسلامية وفيما بينها: خوّنا بعضنا، وكفّرنا بعضنا، وحصلت تمزقات بين المجتمعات. هذا الأمر آن الأوان لأن نخرج منه وأن نتوحد جميعاً على هذه القضية الكبرى. إذا رجعنا إلى قبل قرن كان المشروع الإسلامي في ذروته، والمشروع الصهيوني كان لا يزال فكرة وهمية. والآن نرى حالنا وحالهم كما نعرف جميعاً! هذا ليس قدراً إلهياً. هذا ما صنعته أيدينا، وكان ينبغي أن تصنع غيره. المشروع الإسلامي في إنتكاس، والمشروع الصهيوني يتعمق في القوة الإقتصادية والعسكرية والثقافية.

هذا نتيجة ما صنعناه، نتيجة ما لم نصنعه، نتيجة التناحر الداخلي والتخلّف. الآن نحن نملك ورقة اللاتطبيع فلنقبض عليها.

وأقزل لكل الاحزاب وكل مراكز الإعلام التي توجه الرأي، ان تركز على هذه النقطة، وهي قضية شرعية على مستوى الفقه الإسلامي. مصلحتنا هنا بأن نقول لا. فلتثبت العدالة وبعد ذلك ننظر! ولكن أعيدوا الحق إلى أهله.

هذه خلاصة ما يمكن أن يقال في شأن التطبيع. نأتي الآن إلى مسألة الغزو الثقافي. يتعرض العالم العربي الان لما نسميه ثقافة ال (سي أن أن) من تقارير سياسية مركبة، من أنماط لا تنتهي، وتنفق مليارات الأموال على محطات فضائية تبتغي إيصال الصورة والصوت إلى كل بيت في العالم العربي. توجد فضائيات امريكية وأوروبية تنقل هذه الثقافة الحسيّة البصرية التي تصوغ عقول الأطفال والشبان، والرجال والنساء، على قيم ومفاهيم جديدة، في نطاق ما يسمى بالعولمة.

(….) هذا الغزو الثقافي الذي يسمى عولمة، يجب أن نعي أنه سياسة ترمي إلى إعادة صاغة العقل العربي ليقبل الحقيقة الصهيونية ويسلم لها.

توجد عندنا ثلاثة مواقف من العولمة: أحدها موقف الإستسلام المطلق. هناك رأي واسع الإنتشار مفاده أننا لا نستطيع أن نقاوم القضاء والقدر.

نحن لا نوافق على هذا الرأي لأنه يعني تحقيق هدف العدو .

وهناك رأي آخر يقول بأنه يجب أن نتحصّن داخل أنفسنا ونرفض العولمة بشكل كامل. أصحاب هذا الرأي يتراوحون بين بعض الحركات الإسلامية والحركات الأخرى. وهذا موقف غير عملي وغير حكيم. نحن لا نقدر أن نسيطر على طوفان الأفكار والمعلومات الذي يغمر الكرة الارضية ويأتينا عبر موجات التلفزة وما إلى ذلك.

يوجد رأي ثالث هو الرأي الإنتقائي الذي يدعو إلى أن نأخذ الحسن ونترك السيء. وهذا رأي لا نوافق عليه، إذ كيف يمكن الإنتقاء وبأي معايير ؟.

رأينا في هذه المسأة هو التالي: لا نقاوم العولمة ولا نندمج فيها، بل نطوّر مضموننا الذاتي. لسنا في فراغ ثقافي أو حضاري.

نحن في العالم العربي، ننتمي إلى ثقافات عريضة. بدل أن نحارب الغير وننغلق على أنفسنا، فلنثوّر هذا المضمون.

بمقدار ما نؤصل انفسنا، ونطوّر معطياتنا الذاتية، نكون قادرين على التفاعل مع تيار العولمة، وهو ما إستفاقت له أوروبا وبشكل خاص فرنسا. بهذا نستطيع أن نقاوم الغزو وننتصر عليه.

 

الخلاصة: لا للإندماج بدون بصيرة، بل لإبداع الذات والتعامل بالإنفتاح مع الآخر. هذه المعادلة هي التي إقترحتها، وهي فكرة مطروحة على الرأي.

شاهد أيضاً

الإمام الخميني (قدس سره) ودوره في صنع واقع إسلامي معاصر

  الأمة والدولة والحركة الإسلامية – منشورات مجلة الغدير الحمدلله رب العالمين وصلى الله على ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *