أخبار عاجلة
الرئيسية / في فكر الإمام / عاشوراء في فكر الإمام / عاشوراء 1418 هجرية / خطبة الليلة الثانية من ليالي عاشوراء من عام 1418

خطبة الليلة الثانية من ليالي عاشوراء من عام 1418

خطبة الليلة الثانية من أيام عاشوراء من عام 1418 للهجرة لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سماحة آية الله الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الكرام الذين اتبعوه بإحسان وعلى التابعين لهم إلى يوم الدين.
 السلام عليكم حضرات الأخوة العلماء الأجلاء والأخوة والأخوات الكرام ورحمة الله وبركاته ونستغفر الله ربنا ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ونستعينه سبحانه وتعالى على طاعته.
‏في بداية السنة الهجرية المباركة الهجرية 1418 ‏وهي ذكرى الهجرة النبوية ندخل عاما جديدا وهو التأريخ الإسلامي كما بلغنا وبمناسبة ولادة هذه السنة الهجرية نتوجه بالتهنئة والتبريك للمسلمين في لبنان وفي جميع أنحاء العالم في بداية هذه السنة ونتمنى أن يجعلها مباركة. وقد دأب المسلمون منذ عصور طويلة على الاحتفال ببداية السنة الهجرية بأشكال شتى من الاحتفالات بالصلاة والعبادة وذكر الله سبحانه وتعالى وباستعادة مآثر الرسول الأكرم ونور الإسلام وهو أمر ليس له أساس في ما سبق أساس في الشرع من حيث أمر الله به وهو ليس تقليدا قائما على فصوص شرعية في الكتاب أو السنة ولكنه سنة حسنة يجري فيه ما ورد من التوجيه النبوي الشريف. فالاحتفال والتبريك والتهنئة برأس السنة الهجرية هو تقليد حسن وسنة حسنة نستعيد بها الأمور
‏ذكرى انتصار رسول الله والمسلمين بهذه الذكرى التي لم تكن هروبا من كيد الكفار وإنما كانت انتصارا عليهم كما أشارت إليه آيات القرآن الكريم وقد عبر الله عن الهجرة بأنها انتصار على قاعدة ما بينه الله تعالى في كتابه الكريم حيث بين أن هجرة الرسول كانت انتصارا للرسول والمسلمين على الشرك ونهجه ونحن بهذه المناسبة نتبرك ببداية هذه السنة ونبارك للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
‏ونحن نودع سنة هجرية سيحاسبنا الله على كل ما اقترفنا فيها ويجزي كل عامل بما عمل بعدله وبرحمته ونسأله سبحانه وتعالى أن يعاملنا برحمته.
‏في بداية هذه السنة ومنذ أوائل الإسلام حدث تطور كبير في تاريخ هذه الأمة تمثل في نهضة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بخروجه في سبيل الإصلاح كما قال فاقترنت هجرة الرسول الأكرم التي اخرج بها الإسلام من حال الحصار إلى حال الانطلاق التي تحققت بالهجرة واقترنت هذه الهجرة بهجرة الحسين التي اخرج بها الإسلام من حال الحصار والاحتكار التي تشبثت بها الأسرة الحاكمة السفيانية الأموية بشخص يزيد ابن معاوية وأركانه ليطرح مشكلة الأمة والإيمان والشريعة على مستوى الأمة ككل. فهجرة الرسول الأكرم وهجرة سبطه الإمام الحسين تنطلقان من واقع واحد وتهدفان إلى هدف واحد والى رجاء واحد والى غاية واحدة في هجرة الحسين بينما لم يعد هناك متسع لأي عذر ولم يكن هناك ولم تبق هناك أي مندوحة ولم تبق أي ذريعة للسكوت عما يجري لتحريك الإنسان وتحريف عقائده الأساسية وكذلك خرج سبط الرسول الإمام الحسين بن علي واذكر هنا أن من الزيارات التي يزار بها كل إمام معصوم الزيارة الشهيرة المسماة بزيارة وارث فالحسين في عصره هو الأمين على هذا الدين وقد خرج من اجل أن يحرر الإسلام من أن يتحول إلى دين سلطة. فالإسلام أيها المسلمون والناس جميعا تعرض لخطر أن يتحول إلى دين سلطة والى عقيدة سلطة والى أيديولوجية سلطة، وتوجد إشارات كثيرة عن شخصيات مرموقة كانت تصرح فتقول أن الأمر الذي تنازعنا عليه قد أصبح لعبة في أيد صبياننا. فموضوع الدين حينما يتحول الدين إلى مشروع تسلط وحينما تتحول الدعوة من صيغة تحرير للإنسان وصيغة كرامة للإنسان إلى صيغة استغلال للإنسان وللمجتمع يكون حينئذ على القيمين على الأمة أن يتحركوا، وهذا ما واجهه الإمام الحسين وصبر عليه وداراه طويلا ولكنه لم يفلح في أن يعالج الأمر عن طريق المحاورات الداخلية فعرض المشكلة على الأمة برمتها وهى أشبه بإعادة الأمر إلى الرأي العام. ويعرف أن الإمام الحسين طالب بان يعود الأمر شورى بينهم وكذلك كانت هجرة الرسول عليه السلام وهي تتفق وهجرة الإمام الحسين ومن هنا إلحاحي الدائم أن تكون مجالس عاشورا مجالس غير مذهبية وغير طائفية وان يطور خطابها ليكون خطاب الإسلام الذي ينهض بجميع التيارات الفقهية وجميع الفرق الفقهية بل أن يتجاوز ذلك ليكون خطاب الإنسان وحرية الإنسان ومن الإساءة بمكان كبير أن يحصر هذا الإنسان العظيم وهذا المشروع العظيم في صيغة مذهب أو في صيغة طائفة أو في صيغة فئة أو في شعار فئوي وهو أيضا تحجيم وتقزيم لهذا العظيم ابن العظماء وأبو العظماء.
‏ومن هنا نجد في تاريخ الفكر والتشريع والأدب أن الخطاب الحسيني لم يكن خطابا فئويا أو مذهبيا بأي معن من المعاني وفي مستهل هذه الأيام ونحن نخاطب الرأي العام في كل لبنان وخصوصا المسلمين أمل إن نجتاز هذه الذكرى بأيامها كلها في خطاب جامع يركن على ثوابت الوحدة الإسلامية ويركز على ثوابت الوفاق الوطني ويركز على ثوابت كرامة الإنسان ويركز على ثوابت احترام النظام والقوانين وعلى ثوابت احترام الأخر سواء كان مسيحيا أو غير مسيحي في دائرة الإسلام أو خارج دائرة الإسلام فقط يستثنى من هذا الخطاب أعداء الله وأعداء رسوله الناصبون الحرب للمسلمين والعرب وفي مقدمتهم الحركة الصهيونية سواء أكانت متمثلة في الكيان الصهيوني في فلسطين أو في كل موقع من مواقع الأرض.
‏في الهجرة النبوية والحسينية يعاد طرح الإسلام علينا في كل زمن في أداء الهجرة وخطابها يأتي خطاب لكل واحد وكل رجل وامرأة ما هي علاقتنا بالإسلام وما هي علاقتنا بعقيدة الإسلام وبشريعة الإسلام وبحضارة الإسلام؟ هل هي علاقة أشخاص هل تقتصر على علاقتنا بحبيبنا محمد بن عبد الله هل هي علاقة شخصية بالإمام علي بن أبي طالب أو بولديه الحسن أو الحسين هل هي علاقة شخصية بهؤلاء الأشخاص بغض النظر عن النهج الذي عاشوا وماتوا عليه وهل هي علاقة شخصية تتجاوز ما روي عن رسول الله صلى الله عليه واله في جواز من اشترع عنه في أمر السرقة؟ فالله يرد علينا بذلك بقوله *وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم* وكل البيانات التي صدرت عن أمير المؤمنين وسائر الأئمة المعصومين فان العلاقة معهم مع كل الحب والولاء إنما ترتكز بنهج هؤلاء وآدابهم والتمسك بعقيدة الله ورسوله، فنداء الهجرة هو نداء التمسك بالشرع وهنا نستذكر الفقرة الشهيرة التي وردت عن الإمام الحسين إنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.
‏فالإمام الحسين لم يثر على جماعة وإنما ثار على صيغة حكم وسياسة حكم فالمشروع الذي كان يواجهه الإمام الحسين كان يهدف إلى تحويل العقيدة والشريعة إلى مؤسسة سلطة بكل معنى الكلمة باستعباد الناس وإذلالهم وهذا الخطاب إلى جانب تمسكنا بالإسلام هو الخطاب الثاني الذي نحمله ونبلغه.
‏الخطاب الثالث هو ما هي علاقة بعضنا ببعض وما هي علاقة الناس ببعضها وما هي علاقة القبائل ببعضها والان ما هي علاقة الجماعات ببعضها والمواطنين بعضهم ببعض هل هي علاقات تعاون أم غير تعاون وسواء كنا في لبنان أو في غير لبنان فنحن نعيش في مجتمعات تتكون من جماعات وهذه الجماعات ينبغي أن يكون بينها تعاون وروح المواطنة والتعاون على البر والتقوى ومن دون هذا فان خطاب التفرقة والفتنة الذي يحمله المشروع الصهيوني وسائر المشاريع الأخرى التي تنحو هذا النحو يفرق بين المواطنين على قاعدة المسلمين والمسيحيين والمعارضة التي ترفض النظام السياسي أو الموالاة التي تقبل النظام السياسي من يرفض اتفاق الطائف ومن يقبل اتفاق الطائف وكلها ينبغي مواجهتها بروح الأخوة والمواطنة فخطاب كربلاء ليس خطابا من التاريخ وإنما خطاب من الحاضر من يومنا ومن غدنا وليس فقط خطابا من الأمس وهو ليس شيئا مضى وإنما هو شيء متجدد كما هو نداء الرسول الداعي إلى فهم حقيقة تمسكنا بالإسلام وهل الإسلام الذي نتمسك به هو الذي يعزلنا عن الأقوام الأخرى والأديان الأخرى وسائر الناس أو انه إسلام مفتوح على الحوار وقبول الأخر والاندماج والتعاون على البر والتقوى ومن منطلق الطائفة الشيعية هل التشيع هو جزيرة مقفلة أو مذهب مقفل أو دعوة تعصبية مقفلة في وجه الآخرين وهل هو معزول عن امة الإسلام والمسلمين ونداء هجرة النبي وسبطه الحسين هو نداء الاندماج والانفتاح للمسلمين نقول إن هذا النداء يطل على العالم وليس من موقع التقوقع والانغلاق والتباعد بل من موقع الاندماج والانفتاح والتعاون على البر والتقوى وعلى أساس الكرامة البشرية لكل إنسان وعلى أساس ما وفره الله من حقوق إسلامية لكل الناس في دائرة الإسلام العزيز الانفتاح على كل المسلمين ويعلم الجميع في الداخل والخارج إني أقول أن المسلمين الشيعة حيث كانوا في لبنان وغير لبنان ليس لديهم مشروع خاص وأي فئة منهم تضع قناعا على وجهها أو على خطابها أو على كلامها لتخفي مشروعا خاصا فهي خارجة عن دائرة المسلمين الشيعة ولا تمثل إلا نفسها لا يوجد أي مشروع خاص للمسلمين الشيعة في لبنان أو غير لبنان فمشروعهم هو مشروع أوطانهم ومشروع أقوامهم ولو كان هناك مشروع خاص لكان للحسين مشروع خاص فالإمام الحسين لم ينهض بمشروع خاص أبدا وقد رفض المشروع الخاص وانفتح على مشروع الأمة العام كذلك أتباعه في كل زمان ومكان على مستوى الإسلام أيضا الأمر كذلك نقول دعوتنا إلى المسيحية في هذا الشرق في لبنان وفي كل مكان من شرقنا من عالمنا على مساحة العالم هي قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم كلمة السواء التي نتعاون بها على بناء عالم خال من الظلم والابتزاز عالم يحترم كرامة الإنسان وحقوقه انطلاقا من كل مكان وارتكازا إلى الكرامة البشرية التي نص عليها الله في كتابه العزيز ولقد كرمنا بني ادم الكرامة البشرية وهي ثابتة للجميع.
‏هذا هو نداء الهجرة ومن هنا فان بداية السنة الهجرية التي تحمل نهضة أهل البيت نقول قلوبنا مفتوحة وأيدينا ممدودة في لبنان لترسيخ مجتمع وطني متلاحم متعاون على البر والتقوى يحول مشروع المجتمع إلى مجتمع أهلي ومدني وسياسي متلاحم متضامن وينشئ دولة واحدة موحدة متوازنة عادلة للجميع مشروع يشترك به الجميع ويعمل فيه الجميع على كرامة الإنسان. وهذا ينسحب على كل موقع ومكان وأنبه على نقطة مركزية هي أن الإسلام الذي يحمله من روح التطور يواجه خطر من داخله هو خطر التعصب والانغلاق والمشاريع الخاصة وخطر عدم الانفتاح على الأخر في داخل الوطن وخارج الوطن وهو ما نسأل الله أن يلهم القيمين ونحن معهم وفي خدمتهم على ترشيد الحركة الإسلامية العالمية والحركات الوطنية والعالمية ليكف بعض من يقوموا بسياسات العنف الداخلي والعنف ضد الأخر في أماكن كثيرة ذقنا بعض ثمارها المرة في لبنان ونراقب ألان ما يجري في أمكنة أخرى هي عبارة عن انتحار ذاتي.
‏أما الخطر الثاني هو خطر القوى الصهيونية التي تجعل من الإسلام عدوا تتهمه بالإرهاب وبالظلامية والرجعية وتحاول أن تكتل الرأي العام الدولي ضد الإسلام والشعوب الإسلامية والدول الإسلامية وفي منطقتنا تتسلح وترتكز على الكيان الصهيوني الذي يمتد مشروعه ليتجاوز لبنان أو سوريا أو مصر أو فلسطين أو سائر البلدان العربية ويقف بمشروعه ضد وحدة الإسلام والمسلمين وانطلاقتهم وحيويتهم بكل ما أوتي من قوة وهذا الخطر الذي يسمونه تارة الأصولية الإسلامية والإرهاب الإسلامي هو خطر يجب مواجهته من قبل المسلمين بما ينبغي أن يواجهوه بالوعي والوحدة ومن هنا على أساس دعوتنا إلى ترسيخ مبادئ التعاون العربي لمواجهة المشروع الصهيوني.
‏ونحن في لبنان نواجه هذه الحركة الصهيونية بالمقاومة بشتى تمظهراتها بالمقاومة السياسية والصامدين في الجنوب والعمليات الجهادية وكذلك في فلسطين والان في هذا الوقت نفكر بكل قلوبنا وعقولنا بالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال الصهيوني في جبل أبو غنيم في القدس وفي كل موقع من مواقع فلسطين وأقول لكم إن القدس في هذا الوقت هي كربلاء التاريخ والمواجهة الكبرى تتمثل بين الكفر المتمثل بالصهيونية وبين العرب وسائر المسلمين من اجل القدس وقضيتها .
‏ومن هنا نقول أن علينا العمل معا لتنفيذ القرار 425‏وأيدينا ممدودة لإرساء مشروع الدولة على قاعدة البر والتقوى لإنجاح مشروع الدولة في لبنان على قاعدة الميثاق الوطني الذي توافقنا عليه وضحينا في سبيله الكثير أيدينا ممدودة وقلوبنا مفتوحة لأجل التعاون ولا يتوهم احد أن اتفاقا مع دولة من هنا أو هناك أو مع جهة من هنا أو هناك يجعل المسلمين عاجزين والعرب خصوصا يفرطون في شأن القدس فالذين يتحملون كل ظلم وجور الصهاينة في فلسطين ليسوا وحدهم رجالا ونساء أيدينا معهم ونحن نقف معهم ونحمل همهم ونشاركهم في قضيتهم ومن هنا فان أي وفاق يجب إن ينطلق من ضمن هذه القضية التي تتجاوز العرب والمسلمين في شكل خاص فالقدس ليست قدسنا وحدنا ولكنها ليست قدس غيرنا وحدهم فلنا رأينا ولنا موقفنا وموقعنا حيالها والقدس يجب عن تعود إلى أهلنا العرب والمسيحيين والتي نريد أن نرى شعب القدس المسيحي الذين هجرهم الصهاينة يعود إليها وليس الشعب المسلم فقط فالصهيونية العالمية تستهدفهم جميعا واحدا واحدا وهي تريد أن يفكر العالم أن المسلمين هم الذين يسيطرون على القدس وتصور إن القدس هي للمسلمين وهم الذين يريدون السيطرة عليها فالمعركة في شأن القدس ليست معركتهم وليست قضية المسلمين وحدهم وإنما هي قضية المسيحيين والمسلمين جميعا.