أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات وأبحاث في فكر الإمام / كتب ودراسات أكاديمية / المواطنة والدولة مقاربات واتجاهات

المواطنة والدولة مقاربات واتجاهات

المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر

الشيخ محمد مهدي شمس الدين نموذجا

almowatana-wal-dawla

د.حسين رحال

 

يواجه الفكر الإسلامي تحديات عديدة في علاقته بالدولة الحديثة، لعل من أبرزها مسألة المواطنة والوطن، سواء في مدى قدرته على استيعابها نظرياً في إطار منظومته المعرفية القائمة على أولوية الرابطة الدينية، أو في مدى قدرته على التعامل معها عملياً في إطار مؤسسات الدولة القائمة على الرابطة الوطنية، ومع مكونات المجتمع نفسه وبالتحديد العلاقة مع غير المسلمين من أبناء المجتمع الواحد.

 

لكن صعود حركات الإسلام السياسي عموماً والدعوات إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض البلدان، وكذلك المطالبات بحكم إسلامي في بلدان أخرى، قدّر لمسألة الحسم النظري لقضية المواطنة (لدى الحركات الإسلامية) أن تكون في الصدارة بسبب تأثيرها المجتمعي على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين داخل هذه البلدان من جهة، وعلى مستقبل الفكر الإسلامي المعاصر نفسه لناحية قابلية هذا الفكر على التطور والاجتهاد وتقديم حلول من داخل نسقه الفكري قابلة للحياة والتنافس مع الحلول الأخرى التي يقدمها الغرب بتجربته الحضارية من جهة أخرى.

 

من هنا يبدو ضرورياً مراجعة إحدى التجارب الإسلامية المعاصرة التي تناولت موضوع المواطنة والوطن، لفهم وتفسير حدود القدرة الإسلامية على معالجة هذا التحدي. وكان اختيارنا لتجربة الشيخ محمد مهدي شمس الدين باعتباره مفكراً إسلامياً عالج هذه المسألة من الناحية النظرية الفكرية كما أنه عايش خطورة هذا الموضوع عملياً في بلد متنوع يضم مسلمين وغير مسلمين وهو لبنان. وتنظيماً للبحث سوف نقسمه إلى قسمين: الأول، يتناول مفهوم المواطنة ومدلولاته. والثاني، يتناول تفاعل الفكر الإسلامي مع مفهوم المواطنة من خلال نموذج الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

 

القسم الأول: مفهوم المواطنة

 

يرتبط مفهوم المواطنة بصيغته الحالية بنشوء الدولة الحديثة وتطور علاقتها بأفراد المجتمع وبالسياق الثقافي التاريخي لأوروبا الغربية الذي نشأت ضمنه هذه الدولة خلال القرون الأربعة الأخيرة وهي الفترة التي تعرف بالأزمنة الحديثة.

 

كان للقيم والأفكار والتحولات المعرفية التي جرت خلال هذه الفترة المعروفة بفترة الحداثة الأثر البالغ في بلورة مفهوم المواطنة وفي إعطائه الخلفية الثقافية والتاريخية التي يختزنها نتيجة لإعادة إنتاجه

 


في هذه التجربة الخاصة القائمة على ولادة صورة جديدة للانسان عن نفسه، وعن الكون، وتغيير رؤيته للحياة ككل ولدوره فيها، ولعلاقته بتاريخه وبالطبيعة والعالم من حوله2

 

وأخذاً بعين النظر هذه التحولات المعرفية والتاريخية تبدو المقارنة بين مفهومي المواطنة في السياقين التاريخيين الإسلامي ـ العربي من جهة والغربي من جهة أخرى، مبسطة ومختزلة إذا أريد منها التوصل إلى المماثلة أو التشابه بينهما، أو إلى الاستنتاج بوجود مفهوم المواطنة الحديث نفسه في السياق التاريخي الإسلامي. فالمواطنة لغوياً مشتقة من لفظة المدينة32 ( Citizenshi صلى الله عليه وآله وسلم) في اللغات الأوروبية، لكنها مشتقة في اللغة العربية من الوطن, وهوالمنزل، وموطن الانسان، ومحله. وفقد أثار هذا الأمر سجالات فكرية عند العديد من الباحثين العرب الذين رفض بعضهم اعتبار لفظة المواطنة مرادفاً وافياً بالمعنى نفسه لنظيرتها الأوروبية4 .

كما أنه من التبسيط الشديد التعامل مع مفهوم المواطنة كوصفة جاهزة للتطبيق5، حتى في السياق الغربي نفسه، حيث تبلورت المواطنة في سياقات متفاوتة داخل الدول الحديثة وفقاً لتطور أوضاع مجتمعاتها.

 

المواطنة مفهوم يشرح العلاقة بين الدولة والفرد المنتمي اليها، وبشكل أدق العلاقة المتبادلة بين السلطات داخل الدولة والمجتمع والفرد المواطن. وقد تطورت هذه العلاقة منذ العصور القديمة مروراً بأثينا والتجربة اليونانية ثم المسيحية والإسلامية لتصل إلى مرحلة جديدة يأخذ فيها مفهوم المجتمع المدني والقوى الفاعلة خارج جهاز الدولة الرسمي، دوراً جديداً على حساب الدولة، في إطار تطور مرحلة جديدة أسماها بعض الباحثين بالنسخة الثانية من عقد المواطنة، أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، عاملاً على زيادة الضمانات للمواطن الفرد رداً على تجاوزات الدولة والجبروت الذي عاملت به مواطنيها عندما انحرفت عن مبادئ المواطنة في بعض التجارب الأوروبية (وغير الأوروبية) خلال القرن العشرين6.

 

وتركز التعريفات التقليدية للمواطنة على كون العلاقة التي تربط الفرد بالدولة الحديثة الديمقراطية تخضع لقانون يقوم على الحقوق والواجبات الناجمة عن عضوية الفرد في الجماعة الوطنية التي تثبت رسمياً بالجنسية7. وقد تعددت الوثائق الرسمية التي أصدرتها الدولة الحديثة بدءاً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لإثبات الجنسية والمواطنية، بين بطاقات الهوية وجوازات السفر، وبطاقات التموين، خصوصاً في التجربتين الفرنسية والألمانية8.

 

إن ضرورات الأمن والمراقبة والضبط للأفراد والجماعات، كانت أساساً في إجراءات الدولة لتنظيم أعمال التعريف بالمواطنين وتمييزهم، واستخدمت لذلك تقنيات علمية، كبصمات الأصابع وقزحية العين. ودخلت لاحقاً خصوصاً بعد هجمات 11 أيلول 2001 اجراءات مشددة للتعريف والتمييز بين المواطنين أنفسهم أو بين المواطنين والأجانب – الدخلاء، مثل الاختبارات الجينية الوراثية (الدنا – DNA)9 وأجهزة الكشف الضوئي(سكانر)، مطيحة بمفاهيم حقوقية للمواطنين والأفراد، ما يظهر قدرة الدولة الحديثة ووسائلها التقنية على التحكم والسيطرة، ويظهر بناء عليه الحاجة إلى مواجهة تضخم سلطات الدولة على حساب حقوق المواطنة.

 

أما الحقوق والواجبات فتتوزع بين حقوق المواطن السياسية من خلال المشاركة وصناعة القرار ودوره في اختيار صناع القوانين والتأثير فيها كون المواطن أحد طرفي عقد10 تكون الدولة بموجبه الطرف الآخر. وعلى صعيد الواجبات، فإضافة إلى الالتزام بالقوانين، على المواطن واجبات مالية (مثل دفع الضرائب) ودفاعية (الخدمة العسكرية).

 

وإذا ما لاحظنا الكتابات التي تناولت الدولة الحديثة في علاقتها بمجتمعها نلاحظ تركيز بعضها على الجانب القانوني والسياسي في هذه العلاقة وهو ما سوف نسميه هنا بالنقاط التي تناولت الشكل في حين أن فهم إشكالية العلاقة العميقة بينهما تحتاج إلى التركيز أكثر على السياق الثقافي ـ التاريخي والمضمون المعرفي والذي سوف نعالجه تحت عنوان المضمون.

 

أولاً- في الشكل:

 

تشكل الدولة الحديثة شرطاً لوجود المواطنة، بعدما انتقل هيكل الدولة من الارتباط بشخص الحاكم إلى مؤسسات بيروقراطية شكلت الحاضنة لبروز المواطنة بما تقدم من ضمانات تتمثل في الدستور والقوانين والجهاز القضائي المستقل عملاً بمبدأ فصل السلطات. ويعتبر الكثير من الباحثين أن النموذج الأهم انتجته الدولة النابليونية الحديثة وهي الدولة الرائدة في بناء هرمية حديثة في الجيشين العسكري والمدني البيروقراطي11.

 

تتميز الدولة الحديثة بانتمائها إلى النموذج الليبرالي الغربي وفقاً لمقولة السيادة المرتبطة بالأركان الثلاثة: الأرض والشعب والسلطة، وهو ما يميز الدولة القومية الحديثة الدولة ـ الأمة (Nation State) والتي تعتبر الحدود الاقليمية أساساً للسيادة والانتماء عبر الجنسية الوطنية والسلطة الوطنية التي تحكم ممثلة للشعب، الذي يعتبر قومية واحدة ذات لغة موحدة خصوصاً مع الاعتراف الرسمي (الدولي) بالسيادة الجغرافية للدولة (الوطن) في معاهدة وستفالي عام 121648.

 

المساواة كمبدأ أساس لحكم القانون وهي الضمانة للمواطنة الحديثة فلا مشاركة سياسية حقيقية دون مساواة فعلية، وبهذا المبدأ تتجاوز المواطنة التمييزات السابقة في التجارب التاريخية بين أفراد المجتمع أو بين جماعاته.

 

فقد ميّزت الحضارة الاغريقية وكذلك الرومانية بين مواطن كامل العضوية في المجتمع والدولة، ويحظى بالمشاركة السياسية ومواطن منتقص العضوية (مواطنين غير احرار أو عبيد أو نساء) لا يتمتع بكل الحقوق والواجبات المتبادلة مع الدولة والمجتمع13.

 

كما أن الامبراطوريات القديمة كانت تتعامل مع المواطنين كرعايا تابعين للسلطات ، ليس فقط فيما يتجاوز وجود حدود إقليمية محددة او الاقتصار على قومية معينة ، بل أيضاً وبشكل خاص بوجود سلطة عليا هي التي تعطي الرعايا14 منحاً بدل الحقوق المتبادلة في مفهوم العقد الاجتماعي أو عقد المواطنة الضمني أو الصريح الذي تمتاز به الدولة الحديثة. ويشير جورج قرم إلى التفاوتات التي تربط الجماعات أيضاً وليس الأفراد فقط في مستوى علاقاتها وفي الحقوق والواجبات المتبادلة بينها وبين السلطة في الامبراطوريات15.

 

وتعتبر هذه النقطة بالذات ـ المساواة بين المواطنين ـ مسألة إشكالية في الخطاب الإسلامي لأن معالجتها الفقهية والفكرية السابقة تنحصر عادة في الفقه السلطاني الذي يتعامل مع المواطنين بتصنيفهم بين:

مسلمين وغير مسلمين (من أهل كتاب وآخرين). ومن بين مفردات هذا الفقه مفردة إشكالية أيضاً تتعلق بمفهوم أهل الذمة الذي كان يؤمّن (من خلال نظام المِلل العثماني مثلاً) حقوقاً متفاوتة بين الجماعات والأفراد والرعايا ولكن ضمن سقف الاعتراف بالتنوع الديني، الامر الذي كان نادراً في الامبراطوريات الدينية غير الإسلامية.

 

لقد شهدت هذه النقطة بالذات سجالاً حاداً حول انطباق مفهوم المواطنة الغربي على التشريعات الإسلامية السياسية، وكانت مورد اجتهادات عديدة خلال النصف الأخير من القرن العشرين.

 

إلا أن المساواة الكاملة للمواطن لم تأخذ طريقها إلى الوجود مباشرة ودفعة واحدة حتى داخل التجربة الغربية، بل أخذت مساراً تدريجياً حيث لم يكتسب كل المواطنين حق الانتخاب والمشاركة السياسية دفعة واحدة، وتأخر حق النساء في التصويت الانتخابي في سويسرا مثلاً، حتى النصف الثاني من القرن العشرين16.

 

ثانياً- في المضمون الثقافي:

 

يؤدي اقتصار فهم المواطنة على النقاط الواردة في الفهم الشكلي، كما شرح في الفقرات السابقة، إلى خلل والتباس في تفسير مفهوم المواطنة الغربي المنشأ. ولأن أي مفهوم علمي أو سياسي أو قانوني هو تجريد نظري منتزع من سياق اجتماعي ثقافي غني ، فإن الأكثر فائدة في تناول الموضوع هو معرفة الخلفيات المعرفية والثقافية والتاريخية التي انتزع منها، لأخذ صورة أكثر فهماً وتفسيراً.

 

انطلاقاً من ذلك تبدو الخلفية المعرفية لمفهوم المواطنة الحديث مرتبطة بجملة من المفاهيم الأخرى ارتباطاً وثيقاً. ويمكن معالجتها في مستويين:

 

مستوى الرؤية الكونية لدور الإنسان الحديث، وهذا المستوى على علاقة مباشرة بإنجازات فترة الحداثة على الصعيد الفكري، حيث كان لمبدأ مركزية الانسان والذات الانسانية في الفكر الغربي تأثيره على المبادئ السياسية الأخرى. فمحورية الإنسان الفرد ساهمت في الدعوة إلى إعطائه المزيد من الحقوق ومنها المشاركة السياسية والمساواة، وإلى الدعوة لتجاوز المبادئ السابقة التي كان المحور فيها مركزيات خارج الذات الإنسانية (كالكنيسة أو التفكير الميتافيزيفي)، وأدى ذلك لاحقاً إلى تكريس مفهوم سيادة الشعب باعتباره مصدراً للسلطة، وإلى ارتباط انبثاق مفهوم المواطنة الحديث بمفاهيم أخرى ترتبط بالليبرالية الغربية: مثل الحريات الانسانية ومنها الحرية السياسية، و حق الانتخاب والتمثيل، ومفهوم المشاركة17 في السلطة وفي التأثير على السلطة من قبل الجماعات الصغيرة والكبيرة، وحرية الانتماء العقائدي للأديان أو للأفكار غير الدينية.

 

الخلفية الثقافية لنموذج الدولة ـ الأمة التي كرست الانتماء والهوية الخاصة لمواطنيها، وهو انتماء يتحدد بالبعد القومي لهذه الأمة ـ الدولة وبقيمها الثقافية الخاصة.

 

لقد ركزت الدولة الحديثة على الشخصية القومية وتعزيز الهوية الوطنية والتنشئة التربوية الوطنية لمواطنيها. فالدولة هذه ليست وعاءً فارغاً وإطاراً بلا مضمون أيديولوجي يحدد الانتماء الثقافي والسياسي لمواطنيها. وقد تتباين الدول الغربية في البناء الهوياتي الخاص بكل منها، لكنها تتبع المسار العام نفسه:

 

الهوية والانتماء جزء من المواطنة في علاقتها بالدولة. والقيم التي تجسدها هذه الهوية هي قيم أعلى من السلطات والأفراد، وهي المرجع عند حصول المنازعات الداخلية أو ذات الطابع الحذري التي تطال أسس تكوّن المجتمع.

 

فالعلمانية الفرنسية، على سبيل المثال، هي قيمة حاكمة على سلوك المواطنين وحريتهم الفردية أحياناً (نموذج الحجاب وتناقضه مع قيم العلمانية الجمهورية) والدولة هنا ليست محايدة إنما هي ذات هوية دينية واضحة وهي الدين الوضعي18 الآتي على حساب الدين الكاثوليكي أولاً والأديان الإلهية التوحيدية لاحقاً.

 

تبدو التجربة الفرنسية (كدولة وحداثة) استثناءً لأن الحداثة نشأت في الغرب على توافق مع الدين وليس على النقيض معه19. وقد خصص ماكس فيبر قسطاً من أبحاثه لتحديد دور الدين في الانتقال إلى الحداثة الغربية 20. ويشير براين تيرنر إلى العلاقة الوثيقة بين الثقافة الوطنية والثقافة الدينية الخاصة بالمجتمع المحلي، وبنشوء الدولة الحديثة في بعض المجتمعات الأوروبية. ويعطي مثالاً على مدنية (علمانية) دولة لا تتنكر لانتمائها الديني – الثقافي هي الدنمارك التي ينصّ دستورها على أن المذهب الرسمي للدولة هو اللوثرية. ويركز الباحث نفسه على الطابع السوسيولوجي للعلمانية والتفاوت في نماذجها وفقاً لاختلاف الأنماط الثقافية والاقتصادية للمجتمعات21. وعلى النقيض أيضاً من النموذج الفرنسي، تغدو القيم الحاكمة للدولة وللهوية الوطنية في الولايات المتحدة الأميركية مختلفة الاتجاه. وهي قيم ومباديء عامة متأثرة بفترة الاستقلال والنضال ضد المستعمر وبأفكار جون لوك22 حول قدسية الملكية الخاصة وحق التمرد (على السلطات التي تتجاوز الحقوق الطبيعية)، أما القيم الدينية فهي في التجربة الأميركية قيم ثقافية يهويدية بروتستانتية، مؤسّسة للدولة ولعلمانيتها الحامية للدين والممارسة الدينية، بما فيها الأديان الإلهية التوحيدية، بعكس التجربة والقيم المؤسسة لدولة مثل فرنسا، وتمثل هذه القيم الايديولوجي الوطنية الاميركية التي تحدد المعايير العامة للانتماء والمواطنة، ومن هو الاميركي برأي الثقافة المسيطرة23.

 

مفارقات غربية

 

يعاني المسار الغربي المتشعب هذا تناقضاً أولياً بين هوية وطنية من جهة وانتماء إنساني نابع من رؤية كونية متمحورة حول الذات الإنسانية من جهة أخرى. فالهوية الوطنية في صورها المتطرفة تؤدي إلى وضع “المواطنات” (هويات المواطنين) في مواجهة بعضها بعضاً، وصولاً إلى الحرب (كما حصل في الحربين الأولى والثانية العالميتين). وهذا التناقض نفسه هو الذي تحاول “المواطنة” الأوروبية حله عبر الجمع بين “مواطنة” الهوية الوطنية ـ القومية ومواطنة ما فوق هذه الهوية, عبر المصالحة بين الانتماءين: الانتماء القومي داخل الدولة والانتماء القاري الجبهوي داخل حدود أوروبا. وصولاً إلى فكرة تتجاوز كل الانتماءات الوطنية والجهوية، وهي فكرة المواطنة العابرة للقومية24 والمواطنة العالمية أو الإنسانية.

 

أما كونياً فقد أدت انتماءات الدولة ـ الأمة المتطرفة إلى عصبية “ثقافوية”، تبرر استعمار الآخرين تحت شعار تحديثهم أو تحت شعار المصالح القومية (الوطنية). وهي العصبية نفسها التي كرست تمايز الأعراق بمبررات ثقافية وبيولوجية تستند إلى علوم الفكر الغربي الحديث، ومنها العرقية الاجتماعية المستندة إلى الداروينية، والايديولوجيات القائمة على فكرة التفوق الحضاري على الآخرين خارج أوروبا.

 

هكذا نشأت نعوت “البربرية” تجاه الثقافات الأخرى فيما عرف بـ “المركزية الاثنية” والثقافية، الأمر الذي حدا بـ”كلود ليفي شتراوس”  (الانتربولوجي المعروف) إلى اعتبار أن “البرابرة” هم من يصفون الآخرين بالبرابرة25.

 

أعاد الفكر الغربي تقويم التجربة بمراراتها وإخفاقاتها من جهة وإنجازاتها من جهة أخرى. وإذا كانت تجربة الاستبداد واحتكار السلطة والعنف بواسطة أجهزة الدولة الحديثة قد مثلت تجربة مريرة سواء في النسخة الاشتراكية والسوفياتية، أو في النسخة الأوروبية الغربية, الألمانية والايطالية (خلال أواسط الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن العشرين). الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى الدعوة لإعادة تعريف “المواطنة”، وإعطاء المواطن الفرد ضمانات سياسية واجتماعية جديدة عبر مستويين من مستويات تعزيز المواطنة:

 

1- إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع من خلال تغذية مراكز النفوذ الأهلية كـ”المجتمع المدني”26 ، وذلك حفاظاً على حقوق “المواطنة” عند أفراد الشعب في مواجهة سلطة الدولة القهرية المتعاظمة.

 

2- التركيز على أن عقد “المواطنة” يتضمن أيضاً مفاهيم العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والتنمية والإنماء المتوازن (بالمعنى اللبناني)، والتي هي من أهداف وجود السلطة والدولة (وحتى شرعيتها). فإذا ما عجزت الدولة عن إنجازها بشكل واضح فإنها لا تسقط وحدها بل إنها تهدد عقد المواطنة نفسه بالزوال.

 

القسم الثاني: المواطنة في الفكر الإسلامي

 

احتاج الخطاب الاسلامي إلى المرور بمراحل عدة والقيام بتكييفات سياسية وفكرية ضرورية قبل الوصول إلى تقبّل مفهوم المواطنة (والوطن) كما ورد من الغرب. وتمثّل تجربة الشيخ محمد مهدي شمس الدين نموذجاً واضحاً في هذا المجال.

 

محمد مهدي شمس الدين ومسألة المواطنة

 

لم يتبلور مفهوم المواطنة والمواطن (والوطن) بما يحمله من معانٍ حديثة، في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلا في مرحلة متأخرة من حياته، ذلك أنه كان يتبنى رؤية إسلامية سائدة بين الحركات الإسلامية الصاعدة حينذاك – في الستينات والسبعينات من القرن العشرين- تركز على العقيدة قبل الإنسان الفرد.

 

العقيدة الإسلامية هي محور الانتماء والهوية حينها والشريعة الإسلامية هي الهدف، فيما يغيب المواطن الفرد بما هو فرد تابع لدولة محددة، ذات سيادة محددة، حيث مواطنوها متساوون بغض النظر عن انتماءتهم. وبدلاً من ذلك تذوب شخصيات الأفراد والانتماءات الخاصة داخل الدول ـ الأمم، والمجتمعات الأهلية لصالح الذوبان في الأمة الأكبر, الأمة الإسلامية.

 

المواطن الفرد لا يظهر هنا بل الفرد المسلم ، ومع ذلك فإن شرط الالتزام العقائدي يميز بين: مسلم مؤمن ملتزم هو الفرد الحقيقي والمحترم وصاحب الحقوق، ومسلم غير ملتزم وغير متدين هو منبوذ ولا يتحلى بكامل الاحترام. والمسلم الثاني هذا إذا لم يطبق تعاليم القرآن ويستوعبها، يصبح برأي شمس الدين أقرب إلى “الحمار” الذي يحمل أسفاراً، تشبيهاً له بما ورد في الآية الخامسة من سورة الجمعة من القرآن الكريم، إذ يعتبر: “إنه (المسلم) يعتقد الإسلام نعم، لكنه لم يتحد مع الإسلام ليتحول إلى طاقة فاعلة وإنما هو (يحمل) الإسلام فلذا بقي كتلة جامدة، إنه حمار (يحمل أسفاراً)”27 .

 

يمثل كتاب شمس الدين بين الجاهلية والإسلام قمة المغالاة المثالية في رفض الغرب وقيمه باعتبارها حضارة مادية كافرة، وضرورة استعادة المسلم لهويته الإسلامية الخاصة القائمة على الرابطة الدينية والالتزام العقائدي الكامل خارج أي أطر مستوردة على الطريقة الغربية.

 

ما كان بالإمكان في هذه المرحلة الثورية المثالية من تفكير شمس الدين ونظرائه الإسلاميين، القبول بأي روابط ذات طبيعة وطنية أو قومية. واحتاج الأمر إلى سنوات عديدة للتعامل, أولاً بواقعية – برغماتية، وثانياً إلى نحو عقدين من الزمن للانتقال إلى مصالحة مع المفاهيم الغربية عن الوطن والمواطنة الحديثة.

 

وفي هذا الإطار يسجل بقاء مفهوم الأمة الإسلامية التي تضم جميع المسلمين من كل الاقطار، مركزياً في تفكير الشيخ شمس الدين طوال فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، على حساب الانتماءات الوطنية (القطرية) والقومية الأخرى.

 

الانتماء: الأمة أم الوطن ؟

 

ما كان بإمكان شمس الدين الخروج عن الخطاب التقليدي للإسلام الحركي حتى أواسط الثمانينات من القرن العشرين، فكان يميّز بوضوح بين الانتماءات الثلاثة: الإسلامية والقومية والوطنية / القطرية، معطياً الأولوية للانتماء العقائدي, الرابطة الإسلامية، مستنداً إلى مفهوم الأمة الإسلامية التي تضم بلاد جميع المسلمين، المنتمية تاريخياً إليها.

 

إن استعادة وحدة الأمة بالمعنى السياسي الكامل والمباشر هو الهدف وهو المشروع السياسي والعقائدي والتربوي للمسلمين، وهيئاتهم القيادية المختلفة، وحتى لدولهم وأنظمتهم “(…) الأمة مصطلح سياسي اجتماعي له مضمون واحد، أو كيان واحد بمعنى من معاني التوحيد، وهو لا يتنافى مع التنوع أبداً حتى على صعيد تعدد الأئمة..”28.

 

الوحدة السياسية للأمة الإسلامية المنشودة، لا تقوم بالضرورة على نموذج تاريخي سابق ينبغي نسخه، بل يجب أن تخلق نموذجها الخاص، وأن تكون “منسجمة مع حاجات المسلمين، ومع واقع النظام العالمي(…) ومع الدور المرتقب للأمة الإسلامية في العالم، الدور الثابت، الأمة الشاهدة، والأمة الوسط(…)”29.

 

أما كيف توحّد الأمة سياسياً، أيكون ذلك في قيام دولة إسلامية مركزية واحدة؟؟ فإن “هذه مسألة من المسائل التي ينبغي أن تطرح ولكنها ليست عائقاً ابداً، يوجد في علم الكلام، وفي الفقه السياسي حلول كثيرة، لأي صيغة من الصيغ التي يمكن أن تنسجم مع الكتل الدولية القائمة فعلاً”30.

 

يتعامل شمس الدين هنا مع الدولة القطرية / الوطنية كأمر واقع، وليس ككيان كامل الشرعية يحظى بالرضى من وجهة نظر إسلامية فكرية. ولذلك فإن أولوية الأمة ووحدتها تؤدي عملياً إلى مسارٍ يتجاوز

 

على مختلف المستويات, كي لا يبقى واقعهم (غير الشرعي مبدئياً) والمُتعايش معه هو الأصل بل إن وحدة الأمة هي الحقيقة التاريخية والشرعية التي أبعدتها التجزئة والاستعمار.

 

كيف نتجاوز الوطني ـ الوطنية لمصلحة الانتماء الأممي؟

 

يؤكد شمس الدين على ضرورة أن تكون الوحدة السياسية للأمة همّاً عاماً لكل الجماعات في مختلف البلدان الإسلامية. لكن ذلك قد يثير إشكاليات عديدة، في العالم العربي، خصوصاً العلاقة بين مشروع الوحدة من جهة، والدولة الوطنية، أو التكتلات الإقليمية المتعددة، أو المشروع القومي من جهة ثانية، حيث يتساءل عن هذه الانتماءات والصيغ ما دون الأمة “(…) هل هي عوائق أمام مشروع الوحدة الإسلامية أم لا؟”31.

 

ويجيب في معرض الموافقة على كونها عوائق فعلية بمعنى ما من المعاني: “بالتـأكيد هي ليست عوائل مساعدة”32. ولكن ما هو الحل؟ يتعاطى شمس الدين ببراغماتية مع الانتماءات الوطنية والقومية في إطار إعطاء أولوية للانتماء الاسلامي ورابطة الوحدة, فالدولة الوطنية هي واقع ينبغي التعايش معه مؤقتاً عبر تحييده، كي لا يصبح عائقاً أكبر أمام مشروع الوحدة، وكذلك الانتماء القومي أو المشروع القومي هو من الوقائع غير المحبّذة، فالصيغة التي يحبّذها شمس الدين هي “أن يُحيد المشروع الوطني أو المشروع الأقليمي يُحيد، [وأن] يستمر المشروع الوحدوي على مستوى الأمة في تحركه (…)33

 

يغيبُ هنا مشروع المواطنة والمساواة بين مختلف المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، عن النقاش والأولوية المعطاة للمشروع ما فوق الوطني وما فوق القومي، أي مشروع الرابطة الإسلامية القائم على وحدة أمة المسلمين جميعاً.

 

مع غياب مفهوم المواطنة الحديث تغيب المسلمات الحديثة حول الدولة وسيادتها، وكذلك أي دعوة للاندماج داخل الدولة نفسها عربية أو غير عربية. المهم أن يندمج المسلمون في مشروع سياسي واحد أكبر وأوسع من أوطانهم القطرية، ولو كان ذلك عبر مشروع طويل المدى قد يمتد إلى نصف قرن من الزمن34. ولا مانع في أن يكون ذلك عبر اعتماد صيغ مستحدثة، سواء عبر اقتراح “كومنولث اسلامي” سبق وأن طرحه “مالك بن نبي” (1900 ـ 1973) أو في مسار مشابه لمسار الاتحاد الأوروبي الوحدوي، أو عبر أممية دولية تشابه الأممية الاشتراكية الثانية أو الثالثة35. أما آليات الوحدة المقترحة من قبله فهي تعتمد على:

 

أ- الانطلاق من القاعدة الشعبية، وليس الانطلاق من فوق, أي من قرارات رؤساء وحكومات. فالوحدة ليست قراراً سياسياً فقط36. والصلات الشعبية هنا ينبغي أن تتواصل مخترقة الحدود الوطنية، حتى ولو كان ذلك عبر الضغط على الحكومات (القطرية): “إن المسألة الشعبية في كل بلد إسلامي، هي تضغط على نظامها الخاص ليكون أقرب إلى مواقع الوحدة منه إلى مواقع التجزئة”37.

 

ب- الوحدة هي عقائدية دينية، وليست مجرد وحدة بين مسلمين أو أفراد أو جماعات: “لا نتصور وحدة إسلامية بدون إسلام، يعني وحدة مسلمين بدون إسلام. لا نتصور.. أن المفهوم الإسلامي كمعتقد، وكتشريع، وكسياسة يأتي في صميم مقولة الوحدة”38.

 

ج- دور أساس للحركات والأحزاب الإسلامية التي حولت الوحدة الإسلامية من همّ نخبوي إلى همّ شعبي عام، والتي هي ركيزة أساسية للعمل من أجل الوحدة39.

 

د- التربية على الوحدة في برامج التعليم والتنشئة، وإقرار مادة “الأمة الإسلامية” كمادة أساس في كل مجالات التعليم الابتدائي والعالي والمتخصص، “… لا أمانع من باب الرضوخ والاعتراف بالواقع أن تُعلم مادة التربية الوطنية، يعني تنمية الروح الوطنية، أو تنمية الروح القومية، لكن يجب أن تعلم مادة الأمة الإسلامية40.

 

إن تنمية الالتزام والوعي بالوحدة ليست مسألة تربوية فقط، بل لا بد من تنمية شعور المسلم العادي في كل البلدان الإسلامية بأنه جزء من أمة “وهي مسؤولية المسلمين السياسية عن بعضهم البعض”41.
التحول الفكري نحو الوطن والمواطنة

 

انتظر الأمر بضعة سنوات أخرى قبل أن يطور شمس الدين موقفه الفكري والفقهي والسياسي من مسألة الدولة وحدودها الوطنية، وما ينتج عن ذلك من بداية شرعنة لمسألة المواطنة.

واحتاج ذلك إلى تكييفات فقهية وفكرية طالت منهج الرؤية الاجتهادية ككل وليس مجرد اجتهاد جزئي. وما كان ذلك ممكناً قبل بداية العقد الأخير من القرن العشرين أي تسعينات القرن نفسه. وقد استند الشيخ شمس الدين في ذلك إلى مصدرين أساسين:

 

1 – مجموعة من الأدوات المفاهيمية طورها الفقه السياسي السني وخصوصاً المجددون المعاصرون أمثال: الشيخ محمد الغزالي، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور حسن الترابي والشيخ راشد الغنوشي.

 

2 – العودة إلى معطيات تاريخية إسلامية كانت مُغيّبة في السابق، ولم يكن يُعيرها الشيخ شمس الدين والخطاب الإسلامي التقليدي للحركات الإسلامية أيّ اهتمام فعلي، ومن هذه المعطيات “صحيفة المدينة” أو ما عُرف بالميثاق الذي عقده الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع مختلف مكونات المدينة المنورة من قبائل عربية، ويهودية، ومسلمين عندما هاجر إليها من مكة المكرمة.

 

كان الأهم في “عهدة” المدينة المنورة أنها تقرّ بإقامة مجتمع تعاقدي بين مسلمين وغير مسلمين ضمن أطر عامة متفق عليها في التعايش، وفي الدفاع، وفي احترام الخصوصيات، وفي إعطاء الدور القيادي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الاستناد إلى مرجعية داخل ـ إسلامية يسمح لأتباع الحركات الإسلامية المعاصرة (وشمس الدين كان أحد منظريهم) بمغادرة الخطاب الجامد والصلب حول الأمة الإسلامية الواحدة، بالمعنى السياسي، التي يوصلها بعضهم إلى حد وجوب إقامة خلافة إسلامية42. فيما يوصلها بعضهم الآخر كالشيخ شمس الدين (عام 1987م) إلى حد وجوب إقامة كيان سياسي جديد مع صبغة حديثة، كما شرحنا ذلك آنفاً.

 

يستنتج الشيخ شمس الدين من قراءته لميثاق المدينة خلاصات هامة في هذا الموضوع: “والخلاصة أنه يستفاد من الصحيفة وجود مفهومين للأمة في الفكر الإسلامي، أحدهما الأمة القائمة على التوحد في الانتماء الديني. وهذه يمكن أن تتوحد في التكوين السياسي، ويمكن أن تتعدد في هذا التكوين. وثانيهما: الأمة القائمة على التوحد في الانتماء إلى مشروع سياسي واحد، وكيان سياسي واحد. وهذه يمكن أن تتوحد في الانتماء الديني، ويمكن أن تتنوع في هذا الانتماء”43.

 

ينتقل شمس الدين إلى النتيجة الهامة المتعلقة بمسألة النقاش وهي المواطنة فيستنتج التالي مما سبق: “فقد تتساوى (المواطنة) مع الانتماء الديني حين يكون المجتمع السياسي كله ذا انتماء ديني واحد، فيتحد في الخارج المعاش مفهوم الأمة مع مفهوم الوطن والدولة والمواطنة”44.

 

يكتمل الانتقال من مستوى الوحدة السياسية للأمة الإسلامية التي دعا إليها قبل 3 سنوات فقط (عام 1987) إلى مفهوم الدولة ذات السيادة بحدود جغرافية واضحة على النمط الغربي الحديث مع استناد الشيخ شمس الدين إلى تجربة المدينة المنورة ليعطي الدولة (ذات السيادة والسلطة والحدود الجغرافية والشعب المحدد بالانتماء إلى حدودها، وهي شروط الدولة الحديثة المعاصرة، الشرعيّة الدينية الإسلامية من داخل التجربة الإسلامية.

 

ففي القسم الثاني من كتاب نظام الحكم والإدارة المعنون بـ”الإدارة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم” (وهو قسم لم يكن موجوداً في الطبعة الأولى من الكتاب الصادرة عام 1955) وفي معالجة جديدة بالكامل تخالف رؤيته السالفة (في الطبعة الاولى) حتى في المصطلحات وخلال نقاشه للصحيفة (صحيفة المدينة) وفي فقرة جاءت تحت الرقم 5 وبعنوان له دلالة حديثة كالتالي: “5 ـ أرض الدولة وحدودها/ السيادة” وتحت هذا العنوان يوضح أن “الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أرسل بعض أصحابه أن يبنوا أعلاماً على حدود حرم المدينة: بين لاميتها شرقاً وغرباً، وبين جبل (ثور) في الشمال وجبل (عير) في الجنوب، ووادي (العقيق) داخل الحرم”45.

 

يتقدم شمس الدين خطوة أخرى إلى الرؤية الحديثة للدولة فيستفيد منها لإسقاطها على الدولة الإسلامية المفترضة نفسها، وفقاً لرؤية معاصرة تنطلق من المرجعية التاريخية والتراثية الإسلامية: “إن هذه النصوص تعني: أن الدولة الإسلامية، لها أرض خاصة بها ضمن حدود، وأن الانتماء إلى مجتمعها السياسي يكون بالانتماء إلى هذه الارض: “إقامة” “جنسية” (= مواطنة = ولاية)، وأن قوانينها، وأوامرها السياسية، نافذة المفعول على أرضها وضمن حدودها، وعلى المنتمين إليها دون غيرهم، وإن كانوا مسلمين”46.

 

هكذا تُصبح الحدود الجغرافية أساساً للدولة الإسلامية وسلطتها لكن ذلك يمثل الحد الأدنى، إذ لا مانع عند شمس الدين من الانطلاق إلى التوسعة47 وضم مسلمين وحدود جديدة، لكن ضمن الرؤية التي سبق وشرحها وهي مسألة السيادة التي تتعلق بالسلطة داخل حدود جغرافية. وهنا يبدو التكييف الكامل للفقه السياسي مع المعاصرة والحداثة الاوروبية في مجال التشريع السياسي للدولة.

 

المواطنة والمساواة

 

لا يكفي الاعتراف بالانتماء الوطني (المتعدد الأديان) والمحدد جغرافياً لكي تصبح المواطنة كاملة، فالمواطن غير المسلم يمثل فرداً لا يحظى بكامل حقوق المواطنة الحالية كما كانت تتعامل معه الرؤية الإسلامية التاريخية. وهذا ما احتاج من الشيخ شمس الدين إلى بذل جهود فكرية وفقهية، اضطر معها للاستعانة بالتطورات الحاصلة في المناخ الثقافي السني، والمستندة إلى جذور في الفقه السياسي السني، ليؤصّل حقوق المواطنة لغير المسلمين في جهاز الدولة الإسلامية وخصوصاً لجهة المساواة في تسلم المناصب الإدارية والسياسية.

 

هذا الرافد ما كان ممكناً لولا تطور معرفي حصل في بنية التفكير عند شمس الدين وهو تغير ابستمولوجي48 ما كان ليحصل لولا اطلاعه (الجزئي) على التطور المنهجي القائم في العلوم الإنسانية الغربية، وكان من نتيجة ذلك توصله إلى إمكانية التفريق بين بنية الدولة الإسلامية السلطانية في التاريخ، وبنية الدولة الحديثة البيروقراطية والتعاقدية.

 

من هنا يأتي نقد شمس الدين للدولة التاريخية الإسلامية في صيغتها التي كانت تتضمن سلطات مطلقة وفردية للعامل او الموظف الإداري، في حين أن الصيغة المعاصرة للدولة الإسلامية كما يتصورها شمس الدين لا تتضمن الصلاحيات نفسها للعامل في أجهزة الدولة الذي يحمل صلاحيات تنفيذية فقط، هو مجرد ناقل للقرار49 وليس صاحب القرار.

 

هذا الفهم المعاصر لبيروقراطية جهاز الدولة والاستعانة بمواد الفقه السياسي السني أمّنا النقلة المعرفية لجواز تسليم غير المسلم مناصب في الدولة الإسلامية في إطار المساواة ضمن المواطنة، ولذلك يورد شمس الدين عن الماوردي الشافعي (ت 450 هـ) في “الأحكام السلطانية” وأبي يعلى الفراء الحنبلي ( ت 458 هـ ) جواز أن يتولى غير المسلم وزارة التنفيذ: “ويجوز أن يكون (وزير التنفيذ) من أهل الذمة وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم”50.

 

بقيت المسألة ضمن إطار الدولة الإسلامية فلم يطوّر شمس الدين هنا رؤية أكثر مساواتية لمفهوم المواطنة، إذ بقيت الإشكالية المطروحة حول عمل غير المسلم في دولة المسلمين، لا في دولة تعاقدية تمثل قيم الطرفين. ولذلك فالمساواة هي ضمن إطار السلطة التنفيذية للحكومة التي تهتدي بهدي القيم الإسلامية العامة، وأجهزة الدولة التي توضع لها سياسات عامة إسلامية تمنع على “الكافر” أو غير المسلم أن يتخذ قرارات شخصية، وأن يستعلي على المسلمين51.

 

نحو مواطنة أكثر وضوحاً

 

لم يحصل الانتقال من مفهوم الأمة الإسلامية الموحدة سياسياً في مشروع ما أو كيان سياسي ما (وهي رؤية كانت توحّد بين الوطن والأمة عبر الرابطة الدينية في كيان سياسي) إلى مفهوم الوطن المتنوع المفصول فيه الانتماء السياسي عن الانتماء الديني، دفعة واحدة, ثمة مراحل متدرجة في الخطاب السياسي للشيخ شمس الدين قبل الوصول إلى نتيجة يمكن تسميتها “مدنية” الدولة والوطن.

 

عام 1990 حصل الانتقال الأول من الوحدة السياسية للأمة الإسلامية إلى القبول بالتجزئة السياسية ولكن بشرط الحفاظ على المضمون العقائدي للدولة, أي الدولة الإسلامية. وكان ذلك عبر القبول بنشوء أوطان إسلامية ودول إسلامية عديدة داخل الأمة. وبهذا المعنى تصبح أمة واحدة بالمعنى الثقافي وتنتهي وحدتها السياسية كما كان يطالب شمس الدين قبل نحو ثلاث سنوات أو أربع فقط: “فلا بد للحركات الإسلامية السنية من أن تستنبط صيغة فقهية للدولة الإسلامية المعاصرة (غير نظام الخلافة) تصلح للانسجام مع الواقع الدولي الإسلامي ومع الواقع الدولي العام، يمكن في إطارها إقامة أنظمة إسلامية في نطاق وطني أو قومي يحفظ لكل شعب مسلم كيانه السياسي الإقليمي وشخصيته الخاصة في إطار وحدة الأمة”52.

 

بات للمسلم انتماءان: واحد عقائدي، روحي (ثقافي)، وآخر سياسي لدولة محددة، يحمل جنسيّتها. وهنا بدأت “المواطنة” و”الجنسية” تأخذان الشرعية في الفكر السياسي الإسلامي من باب التنظيم والتدبير53.

 

جاء تثبيت التجزئة القطرية والقومية على حساب وحدة الأمة، ولحق به تحوّل آخر بعد فترة صغيرة مماثلة، إذ بقيت القطرية والتجزئة وذهب الشرط السابق وهو إسلامية الدولة المعاصرة (هوية النظام السياسي)، فلم يعد هذا أساساً للحفاظ على الهوية (الإسلامية). أمكن لشمس الدين بدءاً من العام 1993 القبول بدول لها مجتمعات إسلامية وضمن هذه المجتمعات يمكن أن يكون هناك مجتمعات يشكل فيها المسلمون 95 % من السكان (وما فوق) ولها وضعها الخاص من ناحية الحكم (الإسلامي)، ومجتمعات (حتى ولو كانت ذات غالبية إسلامية) لا تصل إلى نسبة 95% من المسلمين، ولكنها يجب أن تكون مجتمعات متنوعة54، عليها الحفاظ على تنوعها وهذا التنوع هو أحد أبعاد الهوية الذي كان سابقاً يُختزل في بُُعد واحد هو إسلامية الدولة والمجتمع.

 

هكذا تصبح مصر ولبنان مثلين على هذا المجتمع المتنوع الذي فيه مسلمون وغير مسلمين (مسيحيون). وفي هذه الفترة بالذات ينتقل التفكير السياسي للشيخ شمس الدين من فكرة الدولة والحكم الاسلامي المعاصر، الخارج عن الشكل التاريخي للخلافة أو الإمامة، إلى مجتمع المواطنة. هنا بالتحديد يبدأ تبلور فكر سياسي أقرب إلى النموذج الغربي الليبرالي, أصبح الوطن الآن انتماءاً فوق ديني، والتنوع فيه أساس هذا الانتماء. تمّ التحول هنا إلى رابطة “الوطنية” التي تحفظ التنوعات المختلفة. “(…) أنا أقبل بمجتمع متنوع. المجتمع اللبناني مجتمع متنوع، هذا التنوع يفرض نمطاً معينا ًفي النظام السياسي، وفي مشروع الدولة، وأنا ألتزم بكل مقتضيات التنوع من منطلق أن الوحدة السياسية للمجتمع هي المواطن وليس الطائفة”55.

 

تخلي شمس الدين عن شرط إسلامية الدولة وقبوله بالتجزئة القطرية والقومية في الآن نفسه، فتح الباب أمام شرعيّة الدولة بصيغتها الحديثة دون شروط باستثناء واحد، هو شرط عام يلتقي فيه مع الفكر الليبرالي غير الإسلامي، وهو شرط موافقة الغالبية الشعبية واحترام الإرادة الشعبية في اختيار النظام السياسي56.

 

سمحت هذه التحولات بالقبول بالمساواة بين المسلمين وغير المسلمين (المسيحيين) في المناصب الرسمية مع استثناء مؤقت، هو منصب رئيس الدولة57 ، ولسبب سياسي ما يلبث أن يلغيه لاحقاً.

 

مع الأخذ بعين الاعتبار النقد الجذري الذي يقدمه شمس الدين للفكر الإسلامي السياسي، يبدو مفهوم المواطنة على النموذج الغربي هو أساس فكرة الوطن. وتعطى الدولة بنموذجها الغربي، على يد شمس الدين، الشرعية الكاملة لتجاوز الأفكار السابقة (له وللإسلاميين الآخرين) حول الدولة والحكومة الإسلامية سواء الموحدة أو المجزأة وتصبح مفردة المجتمع، ومفردة الوطن، ومفردة المواطن، هي الحاضرة بدل الدولة الإسلامية. إذ يتجاوز تحفظاته السابقة ليرسي قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين في الدولة الحديثة58, وبذلك لا يعود هناك أي مانع من تولي غير المسلم لأية وظيفة وتحمّل أية مسؤولية في الدولة الحديثة. هنا يطوي “الشيخ” صفحة الفقه السياسي السني الفاصل بين وزارة التنفيذ ووزارة التفويض باتجاه موقف جديد قائم على مقاربة جديدة لمسألة الدولة الحديثة وللمواطنة.

 

مفهوم أهل الذمة

 

يتوقف الفقيه اللبناني عند مصطلح “أهل الذمة” في أكثر من مورد بحثي وكلامي متخذاً منه موقفاً مزدوجاً:

 

وجهه الأول، إحالة التراكم الفقهي الإسلامي في موضوع أهل الذمة إلى الشأن التاريخي باعتباره جزءاً من شروط تاريخية لم تعد موجودة، والتخلص من موجبات النظرة الفقهية وأحكامها تجاه أهل الكتاب ضمن مفهوم أهل الذمة، باحالتها إلى التقاعد الفكري باعتبار أن هذا النموذج من التعامل الحقوقي والفقهي نتج عن ظروف محددة لها علاقة بالصراع الفكري والسياسي حينها (تارة مع البيزنطيين وطوراً مع الصليبيين), وبذلك أبطل مفاعيل أحكام أهل الذمة السابقة59.

 

والوجه الثاني، هو الدفاع عن مبدأ فكري وعقائدي إسلامي هو أصل العلاقة مع أهل الكتاب كونهم في ذمة المسلمين أي كعهدة قانونية بين فئتين في مجتمع سياسي واحد.

 

والانتقاد الذي نشهده قاسياً في الوجه الأول للحكام المسلمين (أمويين وعباسيين وخلفائهم) وللفقهاء أنفسهم بسبب عدم الذمة الفقهية لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة باستثناء تعبير “ذمة بيتكم”60، هذا الانتقاد يتحول إلى دفاع عن روح وجوهر مبدأ “الذمة” في التاريخ الإسلامي (بغض النظر عن تجلياته الفقهية والقانونية التاريخية)، إذ يرى في الدلالة اللغوية للمصطلح ما يشير إلى الرفعة والكرامة وليس إلى الدونية61. ومعنى كون المسيحي (واليهودي أيضاً) ذمياً فهو اعتراف بالتنوع الديني من خلال الاعتراف بكونه مختلف عقائدياً وثقافياً عن المسلمين في الانتماء الديني داخل المجتمع المدني، ولكنه بالمقابل ينتمي إلى المجتمع السياسي نفسه باعتباره مواطناً مثله مثل المسلم62.

 

وفيما يقع اللوم على الحكام المسلمين والتجاوزات التي قاموا بها في إطار تنزيه التشريعات والعقائد الإسلامية تجاه أهل الذمة، فإن الشيخ شمس الدين يلوم أيضاً طرفاً خارجياً هو المستشرقين63 ، الذين أسبغوا الصفات السلبية على مفهوم “أهل الذمة” وكرسوها في الأذهان. والنتيجة النهائية التي يصل إليها هي أن الإسلام أرسى حقوق المواطن وأوجد علاقات مواطنة بين سكان الدولة سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين و”جعل معنى المواطنة موضوعياً ودنيوياً وحقوقياً لا علاقة له بالانتماء الديني إطلاقاً”64.

هذا الانقلاب الكامل 65 على فكرة الدولة الإسلامية (باستثناء ما يشكل المسلمون 95% من سكانها) يبقى مقيداً بقيد كون المجتمع مسلماً (وليس بالضرورة إسلامياً) فالهوية المسلمة (وكذلك المسيحية)

 

للمجتمع تضع أمامه قيماً خاصة على الدولة أخذها بعين الاعتبار, فقيم المجتمع الإسلامي هي أحد أبعاد الهوية. تصبح الإسلامية هنا انتماءً ثقافياً – سوسيولوجياً، لا ينعكس في الانتماء السياسي المباشر للحكم. وتصبح الدولة هنا قائمة على المواطنة والحقوق السياسية المتساوية كما في الدولة الحديثة. أما مستوى “إسلاميتها” فموجود في ثنايا القيم والمسلمات الوطنية أي الهوية التي تشكل مرجعية عامة للدولة، وليس بالضرورة في كل تفاصيل الدستور، وفي شكل الحكم الديني المباشر.

 

أدرك شمس الدين في أواخر سنوات حياته أن الحل الذي نقدم به حول المواطنة في إطار دولة إسلامية، بالاستناد إلى نتائج الاجتهاد السياسي السني المعاصر، كان قاصراً عن بلوغ المساواة الحقيقية كما تقدمها الأنظمة السياسية الحديثة. فكان يجد حاجة إلى أفكار تتجاوز الحدود الاجتهادية القديمة، القائمة على خيار وحيد وهو إقامة صيغة جديدة لدولة إسلامية معاصرة. كانت تجربة الدولة الغربية التعاقدية تبدو له ناجحة في إطار المواطنة وحفظ النظام بالتراضي66. وما عاد الفقه السياسي الإسلامي العائد لفترة أبي حسن الماوردي وذلك العائد للحركات الإسلامية المعاصرة كحزب الدعوة ونظيريه السنيين(الاخوان والتحرير) كافياً لمعالجة المستجدات في بلاد المسلمين، ومنها مسألة المواطنة.

 

“(..) مسألة المجتمع، والتنوعات الدينية داخله التي ولّدت في الفكر الإسلامي الحديث مشكلة وتحدياً، وخصوصاً فيما يخص المواطنة. الوضع الحقوقي للمواطن غير المسلم، هل هو مواطن أم غير مواطن؟ وإذا كان كذلك هل يتمتع بالحقوق نفسها التي تستحق لكل مواطن مسلم”67.

 

يقدم “الشيخ” إجابة من خارج التفكير الاسلامي التقليدي، مكرساً قبول النموذج الغربي بقالب إسلامي فضفاض: “أريد مجتمعاً مدنياً، ودولة مدنية بلا دين. (مكوّناً) من مسلمين مخلصين ومسيحيين مخلصين. هذا التنوع.” (…) “أنا أقول يوجد مجتمع سياسي واحد، ويوجد مجتمع أهلي متنوع. يعني اللبناني، أو المصري لديه دينان: دين الله الذي هو دين مسلم أو مسيحي، ودينه السياسي الذي هو وطنه”68.

 

كان ذلك نتيجة تكييفات فقهية وفكرية أبرزها وضع مسألة الحكم في مجال الأحكام المتغيرة69 وليس الثابتة دينياً، خصوصاً موضوع المواطنة والمساواة بين المواطنين، بعدما أخرج هذه الموضوعات من مجال “المقدس”، إلى المجال التعاقدي المدني. وترافق ذلك مع تغيّر في الرؤية الاجتهدية70 لديه.

 

هوامش:

 1-لمراجعة مكثفة للإطار المعرفي المحيط بتبلور الحداثة والتحولات الفكرية لها يمكن العودة إلى محمد سييلا :التحولات الفكرية الكبرى للحداثة مساراتها الابستمولوجية ودلالاتها الفلسفية، في مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، العددان 110 – 111 ربيعصيف 1999
2- يعود ذلك إلى الجانب الاستبعادي- الإقصائيفي تعريف المواطن والمواطنة ، القائم على تحديد وتعريف غير المرغوب دخولهم إلى المدينة من جماعات أو أفراد. فالمدينة في القرن الثامن عشر وفقاً لميشال فوكو : هي مسرح تقنيات الأمن وتحديد الهويات. قبل أن يصبح الحدود الوطنية (حال الولايات المتحدة) في القرن العشرين.انظر البحث المقدم من الباحثة الكنديةماري إلين باريزو بعنوان: المواطنة والهوية وعلوم الجينات: خطوط فاصلة فى عالم معولم إلى مؤتمر المواطنة المنعقد في جامعة الروح القدس بالكسليك (لبنان) بين 15 و 17 آذار / مارس 2007.ونشر في الكتاب الصادر عن الجامعة نفسها حول المؤتمر ، ص69.
3-هيثم مناع، المواطنة في التاريخ العربي الاسلامي، القاهرة – مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، ط 1997م، ص. 5و6.

 4-يبدو محقاً الدكتور ملحم شاوول في إيراد هذه الفكرة في سياق نقده لهذا المنحى غير التاريخي في نسخ النماذج بين المجتمعات بعيداً عن سيرورات تطورها الخاص : انظر، ملحم شاوول (وآخرون) اشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان ، تحرير جاك قبانجي، بيروت- دار الفارابي والجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، ط 2009، ص 61 – 62. 
5-أنظر: شاوول ، مصدر سابق، ص 62 – 63.
6-حول تعريفات المواطنة أنظر : علي خليفة الكواري (وآخرون): المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، بيروت – مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية 2004 ص 30 – 31 وكذلك انظر التفريق الذي يقيمه الدكتور عدنان الأمين بين مفهوم المواطنة كفعل يأتي على وزن مفاعلة، والمواطنة كصفة وكذلك تفصيله لمستويات التعريف في : عدنان الأمين (وآخرون) اشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان ، بيروتدار ا لفارابي ط 2009، م.س ، ص 19 – 51.
7-ماري الين باريزو، مصدر سابق.
8-انظر المصدر السابق.
9-بخصوص هذه النقطة بالتحديد وتطور دور المواطن في صناعة القرار والقوانين انظر: أدونيس العكرة، التربية على المواطنة وشروطها في الدولة المتجهة نحو الديمقراطية، بيروت – دار الطليعة، ط ،2007، ص 1835
10-أبرز من كتب – عربياً- عن هذا النموذج النابليوني الدكتور عبدالله العروي شارحاً دور البيروقراطية وكفاءاتها في أداء ادوار الدولة الحديثة معتمداً على ماكس فيبر وعلى آخرين: عبد الله العروي، مفهوم الدولة ، بيروتالمركز الثقافي العربي الطبعة السادسة (1998)، خصوصاً ص59 حتى86..
11-انظر للتعريفات ذات الطابع القانوني والسياسي : عصام سليمان ، مدخل إلى علم السياسة، بيروت(دون دار نشر)، ط 2010.
12-علي خليفة الكواري (وآخرون) اشكالية المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية ، م. س. ، ص 25. في القرن الخامس قبل الميلاد وفي أثينا الاغريقية المعروفة بديمقراطيتها المباشرة كانت المواطنة تقتصرعلى الذكور الأحرار البالغ نسبتهمالسبع(1|7) من عدد السكان الذي يقارب الثلاثمائة الف شخص حيث تحرم النسوة من حقوق المواطنة، ويتعامل معهن رغم كونهن حرائر، كمستعبدات. لمزيد من التوسعة انظر كافين رايلي ، الغرب والعالم (القسم الأول) تاريخ الحضارة من خلال موضوعات، ترجمة عبد الوهاب المسيري ، الكويتسلسلة عالم المعرفة، رقم 90، (يونيو، 1985) ص 10.
13-جورج قرم ، نقلاً عن ملحم شاوول، إشكالية الدولةم. س.،ص67
14-انظر، شرح ملحم شاوول انطلاقاً من كتابات جورج قرم حول عدم المساواة القانونية والاجتماعية للرعايا المنتمين إلى جماعات مختلفة داخلالنطاق الإمبراطوري: شاوول ، إشكالية الدولة، م.س. ، ص 66 و67.
15-راجع النقاش العلمي الدقيق والواسع الذي يقدمه طارق البشري حول هذه المسألة في : المستشار طارق البشري، بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية في الفكر السياسي، القاهرةدار الشروق، الطبعة الأولى 1998، ص 8 حتى 39
16- ينتقد يورغن هبرماس وأعضاء مدرسة فرانكفورت انتكاس الحداثة  الغربية عن انجاز الديموقراطية بالعودة إلى تعليب المجتمع وقهره بواسطة بيروقراطية الدولة الحديثة مجتمعة مع القوة التقنية ما أفرغ مفهوم المشاركة من مضمونه.راجع بهذا الخصوص: رايان كريب ، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس،الكويت- سلسلة عالم المعرفة،العدد 244، ص 303 وما بعدها.
17-الدين الوضعي أو الديانة الوضعية ليست صفة بل هي ديانة وضعية فرنسية مؤسسة لقيم الجمهورية وفقاًلأربز الدعاة الفلسفيين والاجتماعيين لهذه الجمهورية وهما اوغيست كويت واميل دوركهايم انظر حول آراء كل من كونت ودوركهايم : – نيقولا تيما شيف: نظرية علم الاجتماع, دار المعارف, مصر 1980. واميل بوترو: العلم والدين في الفلسفة المعاصرة, ترجمة: د. أحمد فؤاد الأهواني, الهيئة العامة للكتاب, القاهرة, 1973.
18-ملحم شاوول (وآخرين) في : اشكالية المواطنة والدولة والتنمية في لبنان – بيروت الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع ص 61.
19-مثل كتاب الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية أبرز كتابات فيبر في هذا الإطار: ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد، بيروت – مركز الإنماء القومي، 1998.
20- براين تيرنر، فيبر والإسلام (دراسة نقدية)، لندن – بوسطن – روتلدج وكيغان بول، ط 1974، ويصل الباحث إلى حد التأكيد أن العلمانية في الإسلام إن حدثت فستكون مختلفة عن العلمانية في المسيحية، وأن من ينظر إليها نظرة حتمية وكونية هو مخطىء ،لأنه يتجاهل الطابعالسوسيولوجي للعلمانية وتفاوت تطورها نسبة إلى اختلاف الأنماط الثقافية والاقتصاديةللمجتمعات.انظر صفحات:159 حتى 163.
21-انظر، كافين رايلي، الغرب والعالم – القسم الثاني،م. س.ص 35.
22- تبدو ثقافة الواسب (wasp) ،رغم كونها قيم البيض البروتستانت الذين لم يعودوا الأغلبيةفي المجتمع الامريكي، المرجعية التي تحدد من هو الأميركي الوطني ومن هو من الاقليات، وهي القيم والثقافة ذات النفوذ والشرعية والسلطة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. انظر، دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، بيروت -المنظمة العربية للترجمة، ط 2009،ص 156 – 157.
23-ملحم شاوول، م. س.، ص 65، حيث يشير إلى تبلور المرحلة الثالثة من عقد “المواطنة”من خلال العبور من الكيانية الهوياتية إلى المواطنة العابرة للقوميات.
24-انظر، دنيس كوش، مفهوم الثقافة..، م. س.،ص 59و60. ويعتبر الاميركي وليام سامر (Wlliam G.Summer) أول من أطلق مصطلح “المركزية الإثنية” عام 1906 في مصنفه ( Folk ways). (…)”.كان العالم اليوناني الروماني القديم ينعت بـ”البرابرة” كل من كانوا خارج الثقافة اليونانية الرومانية. لاحقاً, في أوروبا الغربية, استعملت كلمة “متوحش” في المعنى نفسه بقصد إقصاء غير المنتمين إلى الحضارة الغربية خارج الثقافة, وبعبارة أخرى إقصائهم في الطبيعة”.(المصدر والصفحة نفسهما)
25-انظر شروحات جاك قبانجي استناداً إلى “أرنست غلنر” وغيره: جاك قبانجي (وآخرون) ، إشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان، مصدر سابق، ص355.
26-محمد مهدي شمس الدين، بين الجاهلية والإسلام، بيروت – مجد، ط 1984،. ص 306.(الطبعة الأولى عام 1975)
27-محمد مهدي شمس الدين، دراسات ومواقف/ في الدين والسياسة والمجتمع جزء3، بيروت، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر والمؤسسة الجامعية ط1، 1993، ص253 والنص في الاصل محاضرة بعنوان الوحدة الإسلامية ومفهوم الأمة، ألقيت في 9 تشرين الثاني 1987ص25.
28-المرجع نفسه، ص267.
29-لمرجع نفسه، ص256.
30-شمس الدين، المصدر السابق، ص267.
31-المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
32-المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
33-المصدر نفسه ص262 وص 266.
34-المصدر نفسه ص263.
35-المصدر نفسه ص262.
36-المصدر نفسه ص263.
37-المصدر نفسه ص261.
38-المصدر نفسه ص 261 و263.
39-مصدر سابق، ص265.
40-المصدر نفسه، ص255.
41-من أبرز الحركات التي ترفع شعار إعادة إحياء الخلافة الإسلامية كما جرت في التاريخ كبرنامج سياسي وفكري لها حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه تقي الدين النبهاني (19091977م)، المحظور في غالبية البلدان الإسلامية حيث يعتبر الحزب أن إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924 أدى إلى زوال حكم الإسلام عن كل الأرض المستمر منذ عهد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبذلك صارت البلاد الإسلامية “دار كفر”. وقد أعد الحزب مشروع دولة إسلاميةتقوم على الخلافة.( فيصل دراج وجمال باروت، (منسقان)، الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية، دمشق – المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، ج2، 2000م ، ص 51 حتى 55).
42-شمس الدين، نظام الحكم والادارة في الاسلام، قمدار الثقافة للطباعة والنشر ط 3، 1992 / وهي نسخة عن الطبعة الثانية 1991/ ص535. ولشدة اهتمامه بـ”صحيفة المدينة” أفرد لها شمس الدين مساحة واسعة في كتاب آخر له هو “في الاجتماع السياسي الاسلامي”، قم (ايران) – دار الثقافة، الطبعة الاولى في ايران عام 1994، ص285 وما بعدها.
43-شمس الدين، نظام الحكم والإدارة..، م. س ، ص535.
44-شمس الدين، المصدر السابق، ص538.
45-شمس الدين، نظام الحكم..، م. س.، ط2، ص539.
46-المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
47-بخصوص هذه النقطة بالتحديد انظر: حسين رحال: إشكاليات التجديد/ دراسة في ضوء علم اجتماع المعرفة، بيروتدار الهادي، ص310 وما بعدها. وكذلك انظر حسين رحال، محمد مهدي شمس الدين/ دراسة في رؤاه الإصلاحية ، بيروت – مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، ط 2010 ، حيث يتحدث الفصل الثاني عن تطور الاجتهاد لديه، من الناحية المعرفية.
48-شمس الدين، نظام الحكم..، مصدر سابق، ص492.
49-المصدر السابق، الصفحة نفسها 492.
50-انظر النقاش الواسع لشمس الدين حول هذه النقطة في المصدر السابق: ص491507.
51-شمس الدين، نظام الحكم والادارة..، م. س. ، ط2، ص414.
52-شمس الدين، في الاجتماع السياسي الاسلامي، م. س.، ص 138 – 139.
53-شمس الدين. الأمة والدولة والحركة الإسلامية، بيروت- منشورات مجلة الغدير (المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى)،ايلول 1944 ص7842. والنص في الأصل حوار أجرته معه مجلة المنطلق في شتاء العام 1994.
54-شمس الدين، المصدر السابق، ص 106 – 107.
55-انظر الحوار الذي أجراه فؤاد إبراهيم مع الشيخ شمس الدين في: فؤاد إبراهيم، الفقيه والدولة – تطور الفقه السياسي الشيعي، بيروت – دار الكنوز الأدبية، ط 1998، ص 427 حتى 438.
56-والسبب الذي يورده سجالي – حجاجي ، ومضمونه أنه “حينما ينضج المجتمع الفرنسي لقبول رئيس جمهورية مسلم، أنا أكون مسروراً بأن يكون رئيس جمهورية أي دولة عربية مسيحياً”. شمس الدين، الأمة والدولة. م. س، ص 105.
57- شمس الدين، الحوار الإسلامي المسيحي/ نحو مشروع للنضال المشترك، بيروت ـ مؤسسة الإمام شمس الدين للحوار، ط2004، ص143 ـ 144.
58-انظر، شمس الدين، الحوار الإسلامي المسيحي، م.س، ص57، (الموقف جاء في مقابلة لصحيفة النهار عام 1997).
59- المصدر السابق، الصفحة نفسها.
60-شمس البدين، المصدر السابق، ص141. (والموقف هذا صدر العام 2000).
61- المصدر السابق نفسه.
62- المصدر السابق، ص140.
63- المصدر نفسه، ص59.
64-وصل الأمر إلى انقلاب مضاد في الفكر السياسي عند شمس الدين بحيث صار كثير من الخطابات الإسلامية حول العدالة والأمة وشرعية السلطة مجرد خطابات عامة لا يمكن الركون اليها في وقتنا المعاصر دون الدخول في آليات عمل واقتراحات تشابه تقنياً الصياغات الليبرالية الغربية التي أعجب بها شمس الدين أيما إعجاب: “لا شك أن هذا الكلام في حدود الشعار هو نظري محض. لذلك لا بد من وجود صيغ لها لحم ودم وشكل لا أن تكون المسألة مجرد خطاب مديحي، لا ملامح له. إن ما يجعل الفكر واقعياً هو هذا، وأنا أقترح، من الناحية التقنية، تعلم صياغة الافكار، كما تصنعها الليبرالية الديموقراطية وهي ناجحة جداً” (شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، ، ص47)
يكتمل الانقلاب على الفكر الذي آمن به شمس الدين نفسه قبل سبع سنوات فقط، فلا يعود استناد السلطة إلى الاسلام إلا مجرد شعار عام، بينما كان يرى فيه في السابق مصدراً لشرعية الأمة الإسلامية في كيانها السياسي: “فالقول بأن الاسلام هو مصدر شرعية السلطة، دون تحديد لآلية اختبار السلطة وكيفية ذلك يعد نظرياً وتجريدياً. والأمر نفسه يمكن قوله بالنسبة إلى شعار حاكمية الله. فهذه المصطلحات المعروفة، ليست سوى عناوين عامة وكلية لا تنفع في المقام شيئاً إن لم تقترن بآلية لتطبيقها” (ص 42).
ظن شمس الدين انه التقط الحل في موضوع الفقه السياسي للدولة المعاصرة عبر اعطاء الشرعية لسلطة دولة ذات حدود جغرافية من جهة ولشرعية سلطة نابعة من الأمة وهي الأمة التي تعد الوحدة حول الاسلام كمصدر للشرعية شرطاً لها، بل باتت امة مجتزأة تتحمل تعدد الاوطان والوحدات السياسية المتعددة باعتبار انها أمة بالمعنى الثقافي والروحي.
وكان هذا الحل في صيغة لها جذورها في التراث السني والفقه السياسي السني وهي صيغة “ولاية الأمة على نفسها” ولأن شمس الدين بات في اواسط التسعينات من القرن العشرين (اي في السنوات العشر الاخيرة من عمره هو) مغرماً بصياغة الافكار على الطريقة الليبرالية عبر اقتراحات وآليات لها شكل ولحم ودم فإنه وقع في الاشكال الذي انتقد غيره بشأنه، وهو عدم تحويل صيغته السحرية “ولاية الأمة على نفسها” (ص 45) إلى صياغات بآليات لها لحم ودم. وجاهد خلال ما تبقى له من عمر خلال عقده الاخير، فلم يستطع ان يجترح آليات محددة وقابلة للتطبيق تؤمن المواطنة والمساواة والعدالة والشرعية معاً في إطار “ولاية الأمة على نفسها”. فبيقيت شعاراً نظرياً تجريدياً غير ناجز التطبيق، وفي المقابل فإن الصيغة الشيعية الأخرى التي تدعي قابليتها للتطبيق وتضمنها لولاية الأمة على نفسها من خلال انتخابات ومؤسسات محددة، وهي صيغة “ولاية الفقيه” فقد بقيت الصيغة الإسلامية الشيعية الوحيدة التي لها لحم ودم وشكل وآليات عمل مجربة على مدى 20 عاماً في حياة الشيخ شمس الدين وعشرة أعوام بعده، أنها لم تكن صيغة تجريدية لأنها قائمة بالفعل، ولم تستطع صيغة “ولاية الأمة على نفسها” أن تثبت نفسها في تجربة سياسية، فيما تدّعي صيغة “ولاية الفقيه” انها تضمن مشاركة الأمة في كثير من مؤسساتها الدستورية ورقابتها العامة، ضمن شرعية ولاية الفقيه أو ما يصطلح عليه داخل إيران “بالديموقراطية الدينية”، غير الناجزة وإن كانت الواقعية، رغم أن التجربة الايرانية ككل التجارب البشرية خاضعة للتجديد والاصلاح والتكيف مع ضرورات الزمن والمصالح العليا.
إلا أنها في النهاية تجربة غير قابلة للنسخ الحرفي في مجتمعمات مغايرة، لكنها بالتأكيد، نموذج قابل للاستفادة منه ومن تجربته الغنية القادمة من داخل الفقه الشيعي الاسلامي في زمن محدد.
جاءت بعض الآليات غير المكتملة في اقتراحات قدمها شمس الدين خارج نقاش “ولاية الأمة على نفسها” بل في تطويرات اخرى على اقتراحات سبق وأن قدمها مفكرون اخرون مثل آية الله مرتضى مطهري حول المرجعية الشيعية وضرورة ادخال التخصص اليها او إنشاء طلبات متخصصة من غير علماء الدين من خلال خبراء يساندون المجتهدين في الموضوعات المتعلقة بالتدبيرات وليس في الشؤون ذات الطابع العبادي او التعبدي؛ كالأسرة والزواج بل في موضوعات متغيرة من بينها المسائل العامة و”علاقات المواطنة”(ص 53)
65-شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، م. س.، ص31.
66-المصدر نفسه، ص52.
67-المصدر نفسه، ص 107.
68-المصدر نفسه، ص 53.
69-المصدر نفسه، ص 52 – 61.